Dead Actor
02-12-2012, 06:10 AM
<<على وجه الماء،
يقفز ضفدع تائه.. ما عاد يعي اتجاهه..
زنبقة زنبقة، يذبل الوقت، وينعكس النهر، وتكثر الأفاعي..
تحتال الأرصفة على باب مواربٍ وحيد، ومشرّع للإحتمالات، والسذاجة..
أحبّك..يا زنبقتي الأوحد، وفستق عمري، وطوق ياسميني..
وحمامي الذي لا يطير.
أحبّك يا قاموس الأماني، ومعجم الحسن، والدلال..
حنانيك، حنانيك.. الندى والأرانب.
ما عاد في العمر متسعٌ، وما عاد هناك من فرصةٍ للإحتمالات اللولبية..
فدع عنك الضفدع، والزنابق..
ودع عنك أرانب الأيام التي تتقافز،
والتفت.. للغد القريب..
.. ولوّح للغريب. لوّح للغريب.
ولا تفت حظّك.
إنّك أيها التائه..
قافلة للريح، والهباء..
فانتثر، في المدى..
أيها التائه عن نفسه،
وكن على شفاه الزمان
ذاكرةً، وحداء.>>
أيها القاريء الكريم، صدقني لو ألقيت هذه القصيدة الحداثية التي أسعفتني بها" قرحتي اللغوية".. والمبنية على الغرائبية، وال"التخبيص" اللغوي.. في أمسية شعرية عربية، يحضرها أناس متلهفون للثقافة، والأدب، لصفّقوا بحماس مقاطعين إلقائي كل نصف ثانية، ورددوا عبارات التهليل والتكبير، ولجائني صوت مرتفع من آخر القاعة على طريقة من تملكّه الطرب في حضور الست أم كلثوم، صارخا بكل ما أوتي من قوة "عظمة على عظمة ". وهي والله عظمة لا يلوكها كلب جائع، وأجرب ووحيد.
ما الذي ترتكبه النُخب، في حق الفكر واللغة؟ ألا يفترض بالشعر أن يكون لسان المجتمع، وذاكرته.. كما هو الفن تماما؟
ما يحدث الأن هو خلاف ذلك. ما يحدث الآن كارثة. الشعر الشعبي، ودائرته المحيطة به كارثة. الشعر الحداثي ، ودوائر النخب التي تمارسه، وتصفّق له كارثة أيضا. كل شيء تشوّه.. وأصبح ظاهرة.
العالم ركزّت على قشور الشعر، والأدب، والفن، وتركت وظيفته الحقيقية. أصبح الآن مجرّد " تمظهر" لغوي، و"هياط" ثقافي ونخبوي يمارسه النخبوي المثقّف، الذي عزل نفسه عن العامة وثقافتهم البسيطة، وخلق له عوالم مصنوعة من سذاجة المتلقّي، وتعطشّه لأي تلاعب لغوي، و"فذلكة" تروي ضحالة فهمهه وإدراكه لهذه الادوات بالغة الحساسية والأهمية.
هناك من احترموا انفسهم، واحترموا هذه المسؤولية فخلقوا لنا عوالم حقيقية وجميلة. لكن أن يأتي شاعر يتحدث عن الفروسية، والحروب، والفخر والحماسة، وهو لم يحمل سيفا في حياته، وربما لا يحسن امتطاء حصان، ولا حمار حتّى، فهنا إشكالية كبيرة جدا.
.. المقال ليس عن الشعر أبداً. إنه عن إشكالية اللغة والفن اللذان فقدا مدلولاتهما، وأدواتهما في سبيل السباق النخبوي المخيف، الذي نشهده الآن، أو سباق المادة، والوجاهة.
اللغة، الشعر، الفن.. هم ذاكرة المجتمع، والناس.
تأمل فقط، كيف يستحضر شريط قديم لفنان شعبي، أو قصيدة قديمة يعرفها أبوك أو أمّك.. ذكرياتهم، أحزانهم، أفراحهم، ورؤاهم عن الحياة، والناس، وذواتهم قبل كل شيء؟ هذا هو هدف الشعر الحقيقي والله، وهذا هو الفن، وهذا هو الأدب.
الآن، هذه الذاكرة تذوب، كما يذوب المجتمع، والتاريخ من أيدينا.. تموت اللغة، يُقتل المعنى، وتغتصب الحقيقة، باسم النخبة، والثقافة، والدوائر المعرفية التي نبذّتنا أنا وأنت، وانطوت على نفسها، وعلى برجها العاجي، فلم نعد نعني شيئا لهم، سوى أناس يهتفون ويصفقون للغة غريبة لا نفهمها، ولا تعني لنا شيئا، إنها فقط، ترضي تلك النزعة التي تدفعنا لأن ننتمي لهذه الدوائر النخبوية، لأننا نشعر بالنقص، والجهل، نبحث بشراهة عن " كلام كبير" يملأ تلك الفراغات التي أحدثتها قرون من الأميّة، والتغييب المتعمّد لكل أدوات الإنسان، ونتاجاته.
<<سلامٌ لحبّها... عُرُيكَ الصاعقُ أُعطَى أمطاره
يتعاطانيَ رعدٌ في نهديَ
اختمرَ الوقت ،تَقدَّمْ هذا دمي أَلقُ الشرق اغترفْني
وغِبْ
أضِعْني لفخذيك الدويّ البرق اغترفني تبطّنْ جسدَي
ناريَ التوجّه والكوكب جرحي هدايةٌ أتهجَّى... >>
مع كامل احترامي لشاعرها "الكبير" وال"مدرسة"، فهذه القصيدة لا يخرج بها إلا مترجم "العم قوقل"، ولا يفهمها الجن الأزرق ولا الأصفر ( هذه الألوان لايقصد كاتبها أن تشير إلى فريق كرة قدم أبدا، ولإبعاد سوء الفهم، جرى التنويه)
حتى قائلها أظنه سيحكّ رأسه، لو قرأها أحد له دون أن يخبره أنها قصيدته.
ما أريد قوله يا سيدات ويا سادة.. ألا تدعوا اللغة، تتحول من راوٍ لذاكرة الناس، ومؤرخ حقيقي لنا..
إلى ضفدع يقفز، وأخر يغنّي للأميرة النائمة، وطائر سنونو محشورٍ في كل قصيدة، وباب موارب ، و"ظلٌ يدخل الرخام".
وكلام لا نفهمه.. ولا زلنا نصفّق له، ولخيبتنا التي تدفعنا لأن نكون طرفا في كل هذا " الهراء" الذي "يغول" الإنسان بنا، عوضا عن أن يخرجه، ويتنفّس عنه.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠) صفحة (١٩) بتاريخ (١٢-٠٢-٢٠١٢) (http://www.alsharq.net.sa/2012/02/12/120648#comment-33462)
يقفز ضفدع تائه.. ما عاد يعي اتجاهه..
زنبقة زنبقة، يذبل الوقت، وينعكس النهر، وتكثر الأفاعي..
تحتال الأرصفة على باب مواربٍ وحيد، ومشرّع للإحتمالات، والسذاجة..
أحبّك..يا زنبقتي الأوحد، وفستق عمري، وطوق ياسميني..
وحمامي الذي لا يطير.
أحبّك يا قاموس الأماني، ومعجم الحسن، والدلال..
حنانيك، حنانيك.. الندى والأرانب.
ما عاد في العمر متسعٌ، وما عاد هناك من فرصةٍ للإحتمالات اللولبية..
فدع عنك الضفدع، والزنابق..
ودع عنك أرانب الأيام التي تتقافز،
والتفت.. للغد القريب..
.. ولوّح للغريب. لوّح للغريب.
ولا تفت حظّك.
إنّك أيها التائه..
قافلة للريح، والهباء..
فانتثر، في المدى..
أيها التائه عن نفسه،
وكن على شفاه الزمان
ذاكرةً، وحداء.>>
أيها القاريء الكريم، صدقني لو ألقيت هذه القصيدة الحداثية التي أسعفتني بها" قرحتي اللغوية".. والمبنية على الغرائبية، وال"التخبيص" اللغوي.. في أمسية شعرية عربية، يحضرها أناس متلهفون للثقافة، والأدب، لصفّقوا بحماس مقاطعين إلقائي كل نصف ثانية، ورددوا عبارات التهليل والتكبير، ولجائني صوت مرتفع من آخر القاعة على طريقة من تملكّه الطرب في حضور الست أم كلثوم، صارخا بكل ما أوتي من قوة "عظمة على عظمة ". وهي والله عظمة لا يلوكها كلب جائع، وأجرب ووحيد.
ما الذي ترتكبه النُخب، في حق الفكر واللغة؟ ألا يفترض بالشعر أن يكون لسان المجتمع، وذاكرته.. كما هو الفن تماما؟
ما يحدث الأن هو خلاف ذلك. ما يحدث الآن كارثة. الشعر الشعبي، ودائرته المحيطة به كارثة. الشعر الحداثي ، ودوائر النخب التي تمارسه، وتصفّق له كارثة أيضا. كل شيء تشوّه.. وأصبح ظاهرة.
العالم ركزّت على قشور الشعر، والأدب، والفن، وتركت وظيفته الحقيقية. أصبح الآن مجرّد " تمظهر" لغوي، و"هياط" ثقافي ونخبوي يمارسه النخبوي المثقّف، الذي عزل نفسه عن العامة وثقافتهم البسيطة، وخلق له عوالم مصنوعة من سذاجة المتلقّي، وتعطشّه لأي تلاعب لغوي، و"فذلكة" تروي ضحالة فهمهه وإدراكه لهذه الادوات بالغة الحساسية والأهمية.
هناك من احترموا انفسهم، واحترموا هذه المسؤولية فخلقوا لنا عوالم حقيقية وجميلة. لكن أن يأتي شاعر يتحدث عن الفروسية، والحروب، والفخر والحماسة، وهو لم يحمل سيفا في حياته، وربما لا يحسن امتطاء حصان، ولا حمار حتّى، فهنا إشكالية كبيرة جدا.
.. المقال ليس عن الشعر أبداً. إنه عن إشكالية اللغة والفن اللذان فقدا مدلولاتهما، وأدواتهما في سبيل السباق النخبوي المخيف، الذي نشهده الآن، أو سباق المادة، والوجاهة.
اللغة، الشعر، الفن.. هم ذاكرة المجتمع، والناس.
تأمل فقط، كيف يستحضر شريط قديم لفنان شعبي، أو قصيدة قديمة يعرفها أبوك أو أمّك.. ذكرياتهم، أحزانهم، أفراحهم، ورؤاهم عن الحياة، والناس، وذواتهم قبل كل شيء؟ هذا هو هدف الشعر الحقيقي والله، وهذا هو الفن، وهذا هو الأدب.
الآن، هذه الذاكرة تذوب، كما يذوب المجتمع، والتاريخ من أيدينا.. تموت اللغة، يُقتل المعنى، وتغتصب الحقيقة، باسم النخبة، والثقافة، والدوائر المعرفية التي نبذّتنا أنا وأنت، وانطوت على نفسها، وعلى برجها العاجي، فلم نعد نعني شيئا لهم، سوى أناس يهتفون ويصفقون للغة غريبة لا نفهمها، ولا تعني لنا شيئا، إنها فقط، ترضي تلك النزعة التي تدفعنا لأن ننتمي لهذه الدوائر النخبوية، لأننا نشعر بالنقص، والجهل، نبحث بشراهة عن " كلام كبير" يملأ تلك الفراغات التي أحدثتها قرون من الأميّة، والتغييب المتعمّد لكل أدوات الإنسان، ونتاجاته.
<<سلامٌ لحبّها... عُرُيكَ الصاعقُ أُعطَى أمطاره
يتعاطانيَ رعدٌ في نهديَ
اختمرَ الوقت ،تَقدَّمْ هذا دمي أَلقُ الشرق اغترفْني
وغِبْ
أضِعْني لفخذيك الدويّ البرق اغترفني تبطّنْ جسدَي
ناريَ التوجّه والكوكب جرحي هدايةٌ أتهجَّى... >>
مع كامل احترامي لشاعرها "الكبير" وال"مدرسة"، فهذه القصيدة لا يخرج بها إلا مترجم "العم قوقل"، ولا يفهمها الجن الأزرق ولا الأصفر ( هذه الألوان لايقصد كاتبها أن تشير إلى فريق كرة قدم أبدا، ولإبعاد سوء الفهم، جرى التنويه)
حتى قائلها أظنه سيحكّ رأسه، لو قرأها أحد له دون أن يخبره أنها قصيدته.
ما أريد قوله يا سيدات ويا سادة.. ألا تدعوا اللغة، تتحول من راوٍ لذاكرة الناس، ومؤرخ حقيقي لنا..
إلى ضفدع يقفز، وأخر يغنّي للأميرة النائمة، وطائر سنونو محشورٍ في كل قصيدة، وباب موارب ، و"ظلٌ يدخل الرخام".
وكلام لا نفهمه.. ولا زلنا نصفّق له، ولخيبتنا التي تدفعنا لأن نكون طرفا في كل هذا " الهراء" الذي "يغول" الإنسان بنا، عوضا عن أن يخرجه، ويتنفّس عنه.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠) صفحة (١٩) بتاريخ (١٢-٠٢-٢٠١٢) (http://www.alsharq.net.sa/2012/02/12/120648#comment-33462)