المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سعيد الأحمد يقرأ سماء الشدوي الأفريقية ..!



لامارتين
03-23-2007, 06:45 PM
سماء فوق أفريقيا؛ قراءة الموشوم


قراءة: سعيد الأحمد

(قبل الموعد بنصف ساعة، استيقظت أنتظر الحافلة التي ستقلني إلى حي بلبلة.)
هكذا يبدأ الشدوي سماءه الأفريقية. استهلال يحدد خلفية النص المكانية (الحافلة وحي بلبلة)، مكان متحرك وآخر ثابت، يحمل هذا المتحرك (الحافلة) كل المتغيرات الثقافية، بتراكماتها، ويفضح كل الارتباكات الاقتصادية والتخبط الأمني، بينما يُظهر المكان الآخر الثابت (حي بلبلة) تداعيات نتاجات المتحرك والمتغير على الثوابت الاجتماعية والفرضيات الحياتية المنهكة المستسلمة لكل معطيات المعيشة المفروضة قسرا من الطرف الآخر. ففي الحافلة التي تنقل البطل- السارد- إلى حي بلبلة، يقرأ كل الأشياء: حشوات مقاعد الحافلة المهترئة، عظام الركاب الناتئة، ووشومهم؛ تلك الوشوم التي يوظفها السارد كرموز لاستجلاب ثقافة كاملة، وصراعات حزبية وسياسية. تلك الوشوم التي بدأها اللاجئون للتعبير عن انتماءاتهم الحزبية، وأصلها المساجين للإفصاح عن انتماءاتهم، وسرعان ما انتقلت إلى الشارع بعد سقوط السلطة وخروج المساجين لتعبر عن مواهب قتل واغتصاب. نتاج التحول كان يظهر جليا على ركاب الحافلة، كما يقرأه البطل بدقة متناهية.

غير أن الوشم الأهم، والعلامة الفارقة والتي يتوقف كثيرا عندها البطل- السارد بضمير المتكلم- هي الأذن الموشومة عوضا عن أذن مقطوعة، تلك الأذن المبتورة التي تصبح ليس مجرد رمز للتهالك الاقتصادي والأمني فحسب، بل تتحول إلى محرك رئيس داخل الرواية، وبطل غير معلن. محرك ينتقل من الحافلة إلى حي بلبلة (من المكان المتحرك إلى المكان الثابت) لترصد الوضع الحقيقي لكل ماهو مخفي ومسكوت عنه بتآمر داخل مجتمع النص. الأذن التي يكتشف البطل فيما بعد أن أسباب قطعها هو عقاب وإعلان للسرقة، حيث إن المجتمع الجائع لابد أن تتفشى به السرقة، والسلطة الجائعة أيضا لا تمتلك ما يكفي من موارد لتزيد عدد المساجين المتورطين بالسرقة، بل يكتفي رجال الشرطة بقطع أذن السارق وتركه طليقا بين الآخرين.

ينتقل بنا السرد فيما بعد إلى المكان الآخر، حي بلبلة، ليعرض لنا صورا وفلاشات مختزلة وعميقة، يعرضها بذكاءٍ يطرح لنا الصورة الاجتماعية بوضوح تام، وكما يجب أن تكون كاستجابة لكل مايحدث على الحافلة، وكل ما تظهره تلك المشاهدات من تفاصيل وقراءات تاريخية، سياسية، اقتصادية وأمنية. فبحي بلبلة يعرض لنا السارد ذلك المزيج غير القابل للمزج (كما ورد على لسان الراوي في الصفحة 20) : بشر يتبولون على طرف الطريق ويسيرون عراة، أثداء ذابلة في قمصان وسخة، وأخرى مكتنزة في قمصان مغسولة، شفاه مصبوغة بألوان زهرية، وأخرى جافة متشققة، جوع ولصوص، لصوص لم تقطع آذانهم بعد وآخرى سبق أن قطعت. لتظهر لنا الأذن المقطوعة هذه المرة في حي بلبلة، داخل النسيج الاجتماعي، لا في الحافلة كما ظهرت للمرة الأولى فاضحة التردي الاقتصادي والتهالك الأمني. تظهر هذه المرة بمشهد متصالح جدا مع الوضع ومتعايش مع الدلالة (ذو الأذن المقطوعة يمارس حياته الطبيعية، كمن لايحمل عيبا شكليا ودلالة لا أخلاقية، يتحرش بامرأة جميلة، تفرض تساؤلا يطرحه الراوي في الصفحة 51ما الذي يجعل رجلا قبيحا مقطوع الأذن أن يطمح في امرأة جميلة) إلى أن تكتمل صورة التعايش مع خزي السرقة وكل الظروف المتهالكة المحيطة في موضع آخر، عندما يرقب البطل ذو الأذن المقطوعة يهرش مكان أذنه ويدب أصبعه بها وكأنها موجودة، وينظر إلى الآخرين بثقة تامة كمن لايحمل عاهة تبعث على العار كعاهته، وهنا يعيدنا النص إلى نظرية الاحتياج والتكيف، ويعيدنا إلى الإنسان البدائي بتفلتاته من القيم والأعراف متكيفا مع ظروفه ومحيطه ومعطياته.

وشوم تسرد التراكم الحزبي والتراكمات السياسية، ووشوم أخرى تحكي المعاش الاجتماعي المفروض طبقا لمعطيات اقتصادية متهالكة وقوى أمنية منهكة. هي تلك الثيمة الرئيسة التي تحرك رواية سماء فوق أفريقيا، التي تخاتلنا ببطولة مطلقة وهمية لسارد حكاء يوظف ضمير المتكلم ليقول مايقال، وتغيب بطلا حقيقيا يقول مالم يسرد ليشكل بطولة مطلقة وإن لم نسمع علو صوته داخل النص (أعني الوشوم ومحركها الرئيس الأذن المقطوعة) ليقفل لنا الراوي عمق الرمز وسير الدلالات بتلك اللعبة السردية المحكمة التي تشتغل على فلاشات النص بشكل دائري تربط أوله بنصفه وبآخره دون أن يفلت أي من خيوط السرد من يد ناسجه.

هكذا أتت سماء الشدوي الأفريقية في 81صفحة فقط من القطع الصغير، ولم تكن تحتاج أكثر من ذلك، فلكل لمحة بها حكاية مطولة، وبكل وشم رواية تامة.


http://www.alriyadh.com/2007/03/22/article234898.html

مُرتزق
03-23-2007, 08:04 PM
:
سلامي :


القراءة لدى سعيد الأحمد .. قراءته ( للجمال ) عندما يتم بشكل كتابة على الكتابة ، أو حتى تلك القراءة ( المنطوقة ) والتي يعرفها من جالس الأحمد في يوم من الأيام وكان مزاجه ( معتدلا ) للحد الذي يسمح له بالحديث عن ( تلك الأمور التي لا يعرفها غيرها ) .. عندما يحدث كل هذا تجد نفسك مبهورا ( بالفسحة ) الهائلة التي يخلقها لك .. و التي تدفع بك إلى أفاق جديدة من التلقي المختلف .

تجد أنه ( يفتق ) حجبا كثيفة قد ( تُعيق ) أو تحد من التذوق التام للمخبوء عميقا في كثافة السرد . وهنا .. في قراءته ( لسماء الشدوي ) لا يختلف الأمر كثيرا ..
في تجربتي الخاصة .. وعندما عدت لقراءة هذه الرواية مجددا .. بعد أن لمسها الأحمد بهذا الأصبع الذي يعرف كيف يُشير .. اكتشفت كم هناك من أشياء ( تضيف ) لذة لم أنتبه لها .


سعيد : شكرا .

سهاد
03-27-2007, 04:41 PM
قراءته بالفعل ممتعة ... ولاشك أنها تفتح آفاق جديدة لم يكن القاريء العادي
ليلتفت إليها ....

شكرا لامارتين على هذا النقل الغنيّ

الإمبراطوره
04-20-2007, 11:43 PM
شكرا لكـ على النقل الرائعـ

سلمتـ لنا

المليون
05-15-2007, 10:14 AM
:flower: الوردة يعني اعجاب بما قرأت

شكرا لامارتين