الجرح المقدس
08-12-2009, 01:22 AM
http://soor.rghh.com/data/media/148/f1.jpg
رحمك الله يا والدي كما ربيتني صغيرا ، كما أحسنت إسمي ، كما علمتني في أفضل المدارس ، في المسجد الحرام ، في المساجد . كما كسوتني وأنفقت عليّ وعالجتني في ظروفي القاسية في أشد ظروف الحوادث والمرض ، وتجاوزت بي الكثير من المحن !..
رحمك الله يا والدي ، كما دافعت من كل من أراد أن يتعدى على كرامتي ، أن يسيئ إلي في لحظات ضعفي ، ويطالني بيده . كما رفعت رأسي في أصعب الظروف ، وحميتني في لحظات الخوف ، أطعمتني في لحظات الجوع ، وأسقيتني في لحظات العطش ، وكسوت جسدي العاري ، وأسعدتني وأبهجتني في كل يوم أعيش لحظة عيد جديد ، وابتسامةٍ لا تفارق محياي ، وزهوٍ لا يُفارقني كالظل !..
رحمك الله ياوالدي ، رعيتني في الطفولة ، وحميتني في الشباب ، وصلت بي لمرحلةٍ من العمر ، حيث صرتُ قوياً يافعاً أستطيع تحمل بعض الطاقات ، ومواجهة بعض الظروف ، أستطيع الإعتماد على نفسي ، وشق دربي نحو حياة قادمة .. أستمدُ منك القوة والعزم والشجاعة ، أستمدُ الصبر والجلد ، آخذاً بكثير من تجربتك في الحياة التي أعيشها ماضٍ وحاضر ، وربما المستقبل !..
رحمك الله ياوالدي ، كما ينبغي لجزيل فضلك ، وعميق إحسانك ، وإكرامك لي وعطفك عليّ ، ورحمتك بي ، وعطائك لي ، ورفقك بي ، وسهرك عليّ ، وكفاحك من أجلي ، ودفاعك عني ، وخوفك عليّ ، وحرصك عليّ ، وصونك لحياتي في مختلف ظروف التلف !..
والدي العزيز .. فعلت معي كل شيئ من طفولتي إلى مرحلة شبابي . من الرعاية ، إلى الحماية ، إلى النصح والتوجيه ، وعاملتني بشتى الأساليب ، الرقة ، القسوة ، الليونة والخشونة !.. كنتُ في الطفولة أقفُ لك لتضرب بكل ماأوتيت من القوة ، من الأدوات . حتى تدميني ويتورم جسدي - دون مقاومة !.. وتطردني لأذهب في المساء للنوم في الجامع !.. وكبرتُ أمارسُ صمتِ وأنت تغرقني في بحر لومك وتقريعك وعتابك وسخطك ، حتى أتمزق من الداخل - دون أن أسد أذنيّ بوتد ـ أو أقفي لك بظهري !..
ولكن يا والدي رحمك الله .. بعد أن وصلتُ لسن الخامسة عشرة ، بعد أن بدأتُ في تكوين ملامح حياتي القادمة .. أرسمُ ملامح مُستقبلي الآتي .. وجدتني أمام خيارين ، إما أن أستمر على نفس منوال الحياة التي تريدها لي ، أو أنسج ملامح الحياة التي أرجوها وأفترضها لنفسي !.. وهنا بدأت في مواجهةٍ مختلفةٍ معك ، إتخذتُ قرار أن أعيش حياتي القادمة كما أريدها لذاتي !..
ومنذُ لحظة تمردي عليك ، على نظامك ، وعاداتك وتقاليدك ، وأنا أيها الوالد الكريم ، أقسمُ أنني لم أزدد إلا تمسكاً بالأخلاق ، بالقيم ، بالأدبيات التي ربيتني عليها ، وغرستها في ، لم أزل بها وأكثر !.. أمضي وصورتك تتشكل أمامي كرفيق دائم ، ونصائحك لها وقع الجرس في مسمعي . لا زلتُ يا سيدي الكريم إبنك البار المطيع ، لا زلتُ كما عهدتني ذو عقيدةٍ ومنهجٍ وكتاب !.. لا أحيدُ عن الطريق ، وأحسنُ انتقاء ومصاحبة الرفيق . فطالما انتقدت مصاحبتي للأصدقاء ، وبعض سلوكياتي التي تراها غير مناسبةٍ لي في أكثر من جانب !.. كل شيئ تبدي توضيحك حياله صغيراً كان أم كبيراً في سلوكي ورغباتي !..
مازلتُ يا والدي على الفطرة ، قالها لي أحدُ رفاقي اليساريين وأستاذي أيضاً في المدرسة !.. لا أتأثرُ بشيئ سوى ما هو العقل والمنطق والمعقول والحقيقة !.. رغم مخالطتي للسنيين والشافعيين ، والإخوانيين ، والوسطيين والمتشددين ، واليساريين ، واللييراليين والعلمانيين والإلحاديين ، كل هؤلاء يمتلكون البعض من الحقيقة - لكنهم جميعاً يبدأون من الخطاً !.. والصائب من قدم البراهين لقصته !..
وبالنسبة لي لم أتأثر بشيئ سوى ما أراه صالحاً للهضم والإستساغة ، ما يناسب العقل والروح ، ويرتكز على أسس منطقية لحياة نعيشها ماضين لحياة أخرى !.. فكثيراً قسوت علي ، قرعتني بكل عبارات القسوة ، عدو الله وعدو السلطة ، الفاسق ، المشرك والكافر ، العاصي - نعتني ببوش وماركس ولينين واستالين وشاروووون !..
سامحك الله يا والدي .. رحمك وأحسن مثواك .. منذ الخامسة عشرة من العمر وأنا في خضم كل هذا ، تراني بالمنحرف ، وأنا ما زلتُ على الفطرة !.. كما ملئت لي مكتبتي الصغيرة بفقه السنة ، وتفسير القرآن ، وإحياء علوم الدين ، قصص الأنبياء ، وإبن تيمية ، وفتاوى الباز وإبن عثيمين ، ما زلتُ كما حفظتُ ستة عشر جزءً كريماً من القرآن ، والأحاديث النبوية ، وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم . وقصص الأنبياء . لا زلتُ كما كنتُ أذهبُ لأرفع عنقي وأصدح بالأذان في الجامع صغيراً ، أأتمُ حيناً بالمصلين فأخشعهم بتلاوتي ، وأنهض بعد صلاة الجمعة لإلقاء الموعظة ، وبعد الصلاة لتدراس الحديث النبوي !.. وكماتقول لي بالولد الصالح ، والروح النقية ، مازلت كما قلتها لي ذات حلم ، ذات أمرٍ أخبرتك به : أني ولدٌ صالح لو تمسكت بالصلاة والقرآن !..
فطالما نعتني وقرعتني ولمتني ، وقلت لي لا يصلح معك سوى أن أقذفك خلف اللذين آمنوا .. هناك حيث تصدر إليك هذه الثقافة وهذه الكتب ، وهذه الروايات ، والأفكار ، حيث إخوانك من الشياطين ، من صرت على شاكلتهم - تتحسر على التربية التي قلت عنها : الدين ، القبيلة ، العادات والتقاليد !..
ولطالما تضايقت من سهري في المساء خارج المنزل مع الرفاق والمثقفين والسياسيين والناشطين الحقوقيين ، وداخله لوقتٍ متأخر .. لا تراني سوى أكتبُ الشعر والمقالات الصحفية وكل ما يخالف المألوف مع الدين والسلطة !.. حد أن انتقدت عملي الصحفي ، وخوضي تجربة سياسية ، وصفتها بأنها ضد الله وولي الأمر !.. وبأنها الإنحراف والضلال !..
رحمك الله يا والدي .. لا زلتُ كما أنا .. لكنك تطاردني في كل مكان .. تخيم على مكاني كظل لا يفارق خطواتي ، لا أدري هل من حرصك علي ، أم لغضبٍ منك !.. حتى في المنام واليقظة - في كل أحوالي !..
كنت مع إبن عمي في مكان بعيد عنك ، غفونا في نهار رمضان أثناء وقت أذان العصر ، سمعتُ صوتك مدوياً .. قم للصلاة !.. وضربت على ساعدي الأيمن بكفك .. صحوت وهو محمّر ملتهب ومتورم ، وصدى كفك في أذني !.. ولولا سمعتُ صوتك - لتشاكستُ مع إبن عمي !..
أنا ياوالدي ما زلتُ كما عهدتني ، لم أتأثر بشيئ سوى ما ذكرتهُ لك سابقاً .. لازلتُ أصلي وأصوم وأقرأ القرآن ، وأذكر الله ، وأتمسك بتعاليم ديني التي فيها شأن آخرتي !.. مهما اختلفتً معك ، أو عاكستُ رأيك ، أو تمردتُ عليك في بعض الأمور التي عشت بها حياتك !..
ماذا يغضبك يا والدي رحمك الله ؟.. هل هو تلك الكتب اليسارية ؟.. الكتب الوجودية ، الثقافة الغربية ، العلمانية ، الليبرالية !.. صدقني يا والدي رغم وجودها إلا أنني لم أحفظ منها شيئاً حد نسيت عناوين بعضها !.. لما أنت غاضب !..
فاليسارية نظريات إقتصادية ، وغيرها مجرد أفكار تتقاطع مع الدين في بعض الأمور ، ولستُ مرغماً على تطبيقها ، أو الأخذ بمضمونها !.. وليس كل ما يقال حقيقة ، كما ليس كل الصواب قادرين على العمل به - إذ طاقتنا الذهنية والعملية محدودة ـ لسنا كالأنبياء أو الملائكة !..
إن أردت يا والدي الكريم .. سأخلي مكتبتي الصغيرة من كل ما تراهُ غير صالح بنظرك - المهم بالنسبة لي أن أشعر برضاك !.. لكني أيضاً لا أستطيع أن أخلي ذاتي من بعض القناعات ، مهما كلفني الأمر في ذلك !..
أخبرني فقط ماذا يرضيك ؟.. كي ترضى عليّ ، أنا يا والدي مهما قلت برضاك عليّ وابتسمت لي ، فوربي لا أشعر برضاك !.. أيرضيك أن أجعل منك إلهاً .. سأجعلُ منك إلهاً !.. ملكاً ، نبياً للخير !.. المهم أن ترضى ، أن أشعر برضاك !.. سآتيك أتبركُ تحت سرير إعاقتك ملتصقاً به - كما قلت أكثر من مرة ككلب اليف !.. كما كان عمي يربطني بالحبل كي آتي لينكس رأسي تحت قدميك وأقبلهما وأكثر في لحظات غضبك !..
ماذا يرضيك ؟.. أن ألقي نفسي من أعلى شاهق !.. أن أغرق في البحر !.. أن القي نفسي في طريق الشاحنات !.. أن أتجرع السم !.. أن أفجر رأسي بمظروف خارق !.. أن أحرق نفسي بالبنزين في مكان عام !.. أأمرني ستجدني إن شاء الله من الصابرين !..
لماذا ياوالدي أخيراً ترفض أن تكلمني في الهاتف رحمك الله ؟.. أشعرني برضاك .. بأبوتك ، بأخوتك ، بصداقتك ، لقد صرت ونحمد الله معاقاً على سريرك في سن السبعين ، وأنا اقتربتُ من انتصاف حياتي في ترمها الأول !.. ويعلم الله من سيودع الآخر !.. هل نستغل هذه الفرصة الجميلة في صداقة حقيقة ، بعيداً عن الأب والإبن !.. لأني يا والدي أقدس الصداقة كثيراً رغم غدر الأصدقاء ومكرهم وتمردهم !.. لكني أريدك الصديق الحقيقي في حياتنا المتبقية - رحمك الله !..
كثيراً ما تبستم لي ، تقول لقد رضيت ، وتبكي حتى تبتل لحيتك الشريفة !.. لكني لا أشعر برضاك !.. وأخيراً تقفل بيني وبينك الطيف ، ترفض مهاتفتي كي أقول لك كالعادة للصديق : كيف حالك يا بكر؟.. دون رسميات قديمة ومملة !.. فماذا أفعل حيالك ؟.. أعرفُ لو جئت بطاعات الدنيا ، ما وفيتك ، لو جئت بكنوزها ما وفيتك !.. لو عصرت جسدي النحيل ما أعطيتك حقك !.. مهما فعلتُ ومهما فعلتُ ومهما فعلت ، لن أفيك حقك يوم حملتني على ظهرك في المشاعر المقدسة طفلاً صغيراً بين أموات الحجيج ، وانفجارات الإسطوانات الغازية !.. والحرائق والخطر !.. لن أفي حق هذا اليوم فقط !..
رحمك الله ياوالدي .. ها أنا في هذه اللحظات أناجيك من الكوكب حيث لا حيلة لي سوى أن أناجيك من هنا فاضحاً دمعي على الملأ !.. أن أستحضر روحك الكريمة لتمنحني الرضا - لوالجنة تحت قدميّ أمي ، فرضاك المفتاح أيضاً !.. عسى أن ترضى في هذا اللحظة الرضا الذي أريد - لا الرضا الذي تُريد !.. الرضا الذي أشعر به في عمق نفسي الفاقدة لحنانك يا صديقي !.. أرغبُ بعناقك الآن بقوة .. با حتضانك حد الإلتحام ، فمنذ سنوات يا صديقي لم أحفل بعناقك كما يريد ضمأي !..
أناجيك يا أبي وصديقي وربي .. أن ترضى وترضى وترضى وترضى ، حتى تمطرني السماء بالبركة ، والسعادة ، والطمأنينة بك . فمهما أشعر بالسعادة ، والفرح ، والخير .. أقسم بعظيم عرش الله ياوالدي رحمك الله - يظل كل شيئ ناقص ، مبتور ، فلترضى كما أريد !..
ولدك المطيع الخاضع والذليل إليك .. الجرح المقدس ..
21 / شعبان / 1430 هـ
على مقربةٍ من باب الشهر الكريم .
.
((وقل ربي أرحمهما كما ربياني صغيرا))
صدق الله العظيم
رحمك الله يا والدي كما ربيتني صغيرا ، كما أحسنت إسمي ، كما علمتني في أفضل المدارس ، في المسجد الحرام ، في المساجد . كما كسوتني وأنفقت عليّ وعالجتني في ظروفي القاسية في أشد ظروف الحوادث والمرض ، وتجاوزت بي الكثير من المحن !..
رحمك الله يا والدي ، كما دافعت من كل من أراد أن يتعدى على كرامتي ، أن يسيئ إلي في لحظات ضعفي ، ويطالني بيده . كما رفعت رأسي في أصعب الظروف ، وحميتني في لحظات الخوف ، أطعمتني في لحظات الجوع ، وأسقيتني في لحظات العطش ، وكسوت جسدي العاري ، وأسعدتني وأبهجتني في كل يوم أعيش لحظة عيد جديد ، وابتسامةٍ لا تفارق محياي ، وزهوٍ لا يُفارقني كالظل !..
رحمك الله ياوالدي ، رعيتني في الطفولة ، وحميتني في الشباب ، وصلت بي لمرحلةٍ من العمر ، حيث صرتُ قوياً يافعاً أستطيع تحمل بعض الطاقات ، ومواجهة بعض الظروف ، أستطيع الإعتماد على نفسي ، وشق دربي نحو حياة قادمة .. أستمدُ منك القوة والعزم والشجاعة ، أستمدُ الصبر والجلد ، آخذاً بكثير من تجربتك في الحياة التي أعيشها ماضٍ وحاضر ، وربما المستقبل !..
رحمك الله ياوالدي ، كما ينبغي لجزيل فضلك ، وعميق إحسانك ، وإكرامك لي وعطفك عليّ ، ورحمتك بي ، وعطائك لي ، ورفقك بي ، وسهرك عليّ ، وكفاحك من أجلي ، ودفاعك عني ، وخوفك عليّ ، وحرصك عليّ ، وصونك لحياتي في مختلف ظروف التلف !..
والدي العزيز .. فعلت معي كل شيئ من طفولتي إلى مرحلة شبابي . من الرعاية ، إلى الحماية ، إلى النصح والتوجيه ، وعاملتني بشتى الأساليب ، الرقة ، القسوة ، الليونة والخشونة !.. كنتُ في الطفولة أقفُ لك لتضرب بكل ماأوتيت من القوة ، من الأدوات . حتى تدميني ويتورم جسدي - دون مقاومة !.. وتطردني لأذهب في المساء للنوم في الجامع !.. وكبرتُ أمارسُ صمتِ وأنت تغرقني في بحر لومك وتقريعك وعتابك وسخطك ، حتى أتمزق من الداخل - دون أن أسد أذنيّ بوتد ـ أو أقفي لك بظهري !..
ولكن يا والدي رحمك الله .. بعد أن وصلتُ لسن الخامسة عشرة ، بعد أن بدأتُ في تكوين ملامح حياتي القادمة .. أرسمُ ملامح مُستقبلي الآتي .. وجدتني أمام خيارين ، إما أن أستمر على نفس منوال الحياة التي تريدها لي ، أو أنسج ملامح الحياة التي أرجوها وأفترضها لنفسي !.. وهنا بدأت في مواجهةٍ مختلفةٍ معك ، إتخذتُ قرار أن أعيش حياتي القادمة كما أريدها لذاتي !..
ومنذُ لحظة تمردي عليك ، على نظامك ، وعاداتك وتقاليدك ، وأنا أيها الوالد الكريم ، أقسمُ أنني لم أزدد إلا تمسكاً بالأخلاق ، بالقيم ، بالأدبيات التي ربيتني عليها ، وغرستها في ، لم أزل بها وأكثر !.. أمضي وصورتك تتشكل أمامي كرفيق دائم ، ونصائحك لها وقع الجرس في مسمعي . لا زلتُ يا سيدي الكريم إبنك البار المطيع ، لا زلتُ كما عهدتني ذو عقيدةٍ ومنهجٍ وكتاب !.. لا أحيدُ عن الطريق ، وأحسنُ انتقاء ومصاحبة الرفيق . فطالما انتقدت مصاحبتي للأصدقاء ، وبعض سلوكياتي التي تراها غير مناسبةٍ لي في أكثر من جانب !.. كل شيئ تبدي توضيحك حياله صغيراً كان أم كبيراً في سلوكي ورغباتي !..
مازلتُ يا والدي على الفطرة ، قالها لي أحدُ رفاقي اليساريين وأستاذي أيضاً في المدرسة !.. لا أتأثرُ بشيئ سوى ما هو العقل والمنطق والمعقول والحقيقة !.. رغم مخالطتي للسنيين والشافعيين ، والإخوانيين ، والوسطيين والمتشددين ، واليساريين ، واللييراليين والعلمانيين والإلحاديين ، كل هؤلاء يمتلكون البعض من الحقيقة - لكنهم جميعاً يبدأون من الخطاً !.. والصائب من قدم البراهين لقصته !..
وبالنسبة لي لم أتأثر بشيئ سوى ما أراه صالحاً للهضم والإستساغة ، ما يناسب العقل والروح ، ويرتكز على أسس منطقية لحياة نعيشها ماضين لحياة أخرى !.. فكثيراً قسوت علي ، قرعتني بكل عبارات القسوة ، عدو الله وعدو السلطة ، الفاسق ، المشرك والكافر ، العاصي - نعتني ببوش وماركس ولينين واستالين وشاروووون !..
سامحك الله يا والدي .. رحمك وأحسن مثواك .. منذ الخامسة عشرة من العمر وأنا في خضم كل هذا ، تراني بالمنحرف ، وأنا ما زلتُ على الفطرة !.. كما ملئت لي مكتبتي الصغيرة بفقه السنة ، وتفسير القرآن ، وإحياء علوم الدين ، قصص الأنبياء ، وإبن تيمية ، وفتاوى الباز وإبن عثيمين ، ما زلتُ كما حفظتُ ستة عشر جزءً كريماً من القرآن ، والأحاديث النبوية ، وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم . وقصص الأنبياء . لا زلتُ كما كنتُ أذهبُ لأرفع عنقي وأصدح بالأذان في الجامع صغيراً ، أأتمُ حيناً بالمصلين فأخشعهم بتلاوتي ، وأنهض بعد صلاة الجمعة لإلقاء الموعظة ، وبعد الصلاة لتدراس الحديث النبوي !.. وكماتقول لي بالولد الصالح ، والروح النقية ، مازلت كما قلتها لي ذات حلم ، ذات أمرٍ أخبرتك به : أني ولدٌ صالح لو تمسكت بالصلاة والقرآن !..
فطالما نعتني وقرعتني ولمتني ، وقلت لي لا يصلح معك سوى أن أقذفك خلف اللذين آمنوا .. هناك حيث تصدر إليك هذه الثقافة وهذه الكتب ، وهذه الروايات ، والأفكار ، حيث إخوانك من الشياطين ، من صرت على شاكلتهم - تتحسر على التربية التي قلت عنها : الدين ، القبيلة ، العادات والتقاليد !..
ولطالما تضايقت من سهري في المساء خارج المنزل مع الرفاق والمثقفين والسياسيين والناشطين الحقوقيين ، وداخله لوقتٍ متأخر .. لا تراني سوى أكتبُ الشعر والمقالات الصحفية وكل ما يخالف المألوف مع الدين والسلطة !.. حد أن انتقدت عملي الصحفي ، وخوضي تجربة سياسية ، وصفتها بأنها ضد الله وولي الأمر !.. وبأنها الإنحراف والضلال !..
رحمك الله يا والدي .. لا زلتُ كما أنا .. لكنك تطاردني في كل مكان .. تخيم على مكاني كظل لا يفارق خطواتي ، لا أدري هل من حرصك علي ، أم لغضبٍ منك !.. حتى في المنام واليقظة - في كل أحوالي !..
كنت مع إبن عمي في مكان بعيد عنك ، غفونا في نهار رمضان أثناء وقت أذان العصر ، سمعتُ صوتك مدوياً .. قم للصلاة !.. وضربت على ساعدي الأيمن بكفك .. صحوت وهو محمّر ملتهب ومتورم ، وصدى كفك في أذني !.. ولولا سمعتُ صوتك - لتشاكستُ مع إبن عمي !..
أنا ياوالدي ما زلتُ كما عهدتني ، لم أتأثر بشيئ سوى ما ذكرتهُ لك سابقاً .. لازلتُ أصلي وأصوم وأقرأ القرآن ، وأذكر الله ، وأتمسك بتعاليم ديني التي فيها شأن آخرتي !.. مهما اختلفتً معك ، أو عاكستُ رأيك ، أو تمردتُ عليك في بعض الأمور التي عشت بها حياتك !..
ماذا يغضبك يا والدي رحمك الله ؟.. هل هو تلك الكتب اليسارية ؟.. الكتب الوجودية ، الثقافة الغربية ، العلمانية ، الليبرالية !.. صدقني يا والدي رغم وجودها إلا أنني لم أحفظ منها شيئاً حد نسيت عناوين بعضها !.. لما أنت غاضب !..
فاليسارية نظريات إقتصادية ، وغيرها مجرد أفكار تتقاطع مع الدين في بعض الأمور ، ولستُ مرغماً على تطبيقها ، أو الأخذ بمضمونها !.. وليس كل ما يقال حقيقة ، كما ليس كل الصواب قادرين على العمل به - إذ طاقتنا الذهنية والعملية محدودة ـ لسنا كالأنبياء أو الملائكة !..
إن أردت يا والدي الكريم .. سأخلي مكتبتي الصغيرة من كل ما تراهُ غير صالح بنظرك - المهم بالنسبة لي أن أشعر برضاك !.. لكني أيضاً لا أستطيع أن أخلي ذاتي من بعض القناعات ، مهما كلفني الأمر في ذلك !..
أخبرني فقط ماذا يرضيك ؟.. كي ترضى عليّ ، أنا يا والدي مهما قلت برضاك عليّ وابتسمت لي ، فوربي لا أشعر برضاك !.. أيرضيك أن أجعل منك إلهاً .. سأجعلُ منك إلهاً !.. ملكاً ، نبياً للخير !.. المهم أن ترضى ، أن أشعر برضاك !.. سآتيك أتبركُ تحت سرير إعاقتك ملتصقاً به - كما قلت أكثر من مرة ككلب اليف !.. كما كان عمي يربطني بالحبل كي آتي لينكس رأسي تحت قدميك وأقبلهما وأكثر في لحظات غضبك !..
ماذا يرضيك ؟.. أن ألقي نفسي من أعلى شاهق !.. أن أغرق في البحر !.. أن القي نفسي في طريق الشاحنات !.. أن أتجرع السم !.. أن أفجر رأسي بمظروف خارق !.. أن أحرق نفسي بالبنزين في مكان عام !.. أأمرني ستجدني إن شاء الله من الصابرين !..
لماذا ياوالدي أخيراً ترفض أن تكلمني في الهاتف رحمك الله ؟.. أشعرني برضاك .. بأبوتك ، بأخوتك ، بصداقتك ، لقد صرت ونحمد الله معاقاً على سريرك في سن السبعين ، وأنا اقتربتُ من انتصاف حياتي في ترمها الأول !.. ويعلم الله من سيودع الآخر !.. هل نستغل هذه الفرصة الجميلة في صداقة حقيقة ، بعيداً عن الأب والإبن !.. لأني يا والدي أقدس الصداقة كثيراً رغم غدر الأصدقاء ومكرهم وتمردهم !.. لكني أريدك الصديق الحقيقي في حياتنا المتبقية - رحمك الله !..
كثيراً ما تبستم لي ، تقول لقد رضيت ، وتبكي حتى تبتل لحيتك الشريفة !.. لكني لا أشعر برضاك !.. وأخيراً تقفل بيني وبينك الطيف ، ترفض مهاتفتي كي أقول لك كالعادة للصديق : كيف حالك يا بكر؟.. دون رسميات قديمة ومملة !.. فماذا أفعل حيالك ؟.. أعرفُ لو جئت بطاعات الدنيا ، ما وفيتك ، لو جئت بكنوزها ما وفيتك !.. لو عصرت جسدي النحيل ما أعطيتك حقك !.. مهما فعلتُ ومهما فعلتُ ومهما فعلت ، لن أفيك حقك يوم حملتني على ظهرك في المشاعر المقدسة طفلاً صغيراً بين أموات الحجيج ، وانفجارات الإسطوانات الغازية !.. والحرائق والخطر !.. لن أفي حق هذا اليوم فقط !..
رحمك الله ياوالدي .. ها أنا في هذه اللحظات أناجيك من الكوكب حيث لا حيلة لي سوى أن أناجيك من هنا فاضحاً دمعي على الملأ !.. أن أستحضر روحك الكريمة لتمنحني الرضا - لوالجنة تحت قدميّ أمي ، فرضاك المفتاح أيضاً !.. عسى أن ترضى في هذا اللحظة الرضا الذي أريد - لا الرضا الذي تُريد !.. الرضا الذي أشعر به في عمق نفسي الفاقدة لحنانك يا صديقي !.. أرغبُ بعناقك الآن بقوة .. با حتضانك حد الإلتحام ، فمنذ سنوات يا صديقي لم أحفل بعناقك كما يريد ضمأي !..
أناجيك يا أبي وصديقي وربي .. أن ترضى وترضى وترضى وترضى ، حتى تمطرني السماء بالبركة ، والسعادة ، والطمأنينة بك . فمهما أشعر بالسعادة ، والفرح ، والخير .. أقسم بعظيم عرش الله ياوالدي رحمك الله - يظل كل شيئ ناقص ، مبتور ، فلترضى كما أريد !..
ولدك المطيع الخاضع والذليل إليك .. الجرح المقدس ..
21 / شعبان / 1430 هـ
على مقربةٍ من باب الشهر الكريم .
.
((وقل ربي أرحمهما كما ربياني صغيرا))
صدق الله العظيم