سببرسس
05-16-2007, 12:25 AM
في الباص الذي تؤوي مقاعده شباباً صغاراً في مثل سنها أو أكبر قليلاً، يخدمون العلم أو يدرسون في جامعات القطر، يلتقطهم السائق عبر عدة محطات خلال عبوره من الجنوب حيث العاصمة إلى الشمال السوري، كانت تقضي مثلهم -اسبوعياً- ليل أربعائها الممتد إلى صبيحة الخميس، شوقاً إلى أسرتها.
تمثال كبير، يرمز للحب والحرية والسعادة، يفتح ساعديه لكل القادمين إلى حلب، يشرّع أحضانه لاستقبالهم. تمرّ الباصات والشاحنات والحافلات والسيارات والدراجات والمشاة جواره. ومع أنه رمز المدينة العريقة، مفتاح بابها ومشرّع الخطوات إليها، لا أحد من الركاب كان يطيل النظر إليه مثلما كانت تفعل، بينما انفراج ابتساماتهم حين يلمحونه يقارع عنان السماء؛ يؤكد وصولهم مدينتهم..
وحدها لم تكن تبتسم له، تجزي الوقت في كل فجر خميسي، تسأله بعد أن ترمي من نافذة مقعدها إلى قدميه العملاقتين وردة شآمية مضرجة بالقاني: من تنتظر هنا منذ أعوام أيها المرمي الوسيم؟ سنوات طوال وأنت تطلق ساعديك للمدى، ترسم نظرة الترحيب في مقلتيك وابتسامة اللقاء على شفتيك، ألم يفتك بك الشوق ويضجرك انتظار هذا الحبيب الذي أفنيت سنيناً واقفاً تنتظره؟
كان السائق يضحك حينما تخبره أن "الشخص" هو إمرأة تنتظر احتضان رجل تحبه! تصرّ أن هذا الحجر الفارع الطالع، وفي السماء مجد عينيه، لايمكن أن يكون إلاّ امرأة! لأن المرأة أكثر ثباتاً على العشق، وصبراً على الانتظار.
أهل المدينة يسمون التمثال "الشخص" بينما العشاق والأدباء والسياح يغازلونه بـ "المرمي الوسيم".. يتربع على تليلة اصطناعية -تشكّل أهم وأخطر دوّارات المدينة- تتيح له مزيد الشموخ والإطلالة من مشارف حلب، وبالتالي العديد من التقاطعات الخطرة التي تجمد نظراته إليها ولا يحرك سبابته أن انتبهوا، ولا يرف جفنه لأطفال يقصدون حديقته الصغيرة التي تنبهت لها البلدية أخيراً وسوّرتها، بعد أن التقى "الشخص" بالشخص الذي انتظره أعواماً وفتح له الأحضان يشرّعها للموت عند قدميه!
الشابة التي أنهت دراستها الجامعية، صارت كلما دخلت المدينة أو خرجت منها، تراه عن قرب، توقف سيارتها قبالة وجهه الموغل في غيم الأفق، كما لو أنه لم يعد ينظر إلى المدينة العريقة الجميلة! تسأله: من تنتظر طيلة سنوات؟ تخطو إليه تقترب منه أكثر علّها تجد شاخصة ما تقول "هنا يقف فلان الفلاني، منذ عام كذا" لكن.. لا معلومات عن هذا التمثال- الشخص.
حين كبرت أكثر، أمست كلما رفرف جناح طائرتها في الفضاء فوقه تشيح عنه بوجهها الدامع، تتمنى لو ترمي ورودها الحمراء إلى قدميه المكسرتين المرممتين بعد حادث سير رهيب يتحدث عنه المارة بوجائع الكلام وفجائع التنهيدات! وتسعى جاهدة أن تدوّن البلدية في شاهدة عند سفحه:"هنا سُجي الرجل -مع زوجته- الذي انتظرهما التمثال طويلاً ".
قبل عامين وجرح لا يندمل، مذ خطف التمثال، شقيقها وزوجته في اصطدام مهول بكت له أحجار المدينة بأسرها، توقفت عن سؤاله: من تنتظر أيها المرميّ البشع، متحجر القلب؟
http://jsad.net/attachment.php?attachmentid=19349&d=1159617096
.
تمثال كبير، يرمز للحب والحرية والسعادة، يفتح ساعديه لكل القادمين إلى حلب، يشرّع أحضانه لاستقبالهم. تمرّ الباصات والشاحنات والحافلات والسيارات والدراجات والمشاة جواره. ومع أنه رمز المدينة العريقة، مفتاح بابها ومشرّع الخطوات إليها، لا أحد من الركاب كان يطيل النظر إليه مثلما كانت تفعل، بينما انفراج ابتساماتهم حين يلمحونه يقارع عنان السماء؛ يؤكد وصولهم مدينتهم..
وحدها لم تكن تبتسم له، تجزي الوقت في كل فجر خميسي، تسأله بعد أن ترمي من نافذة مقعدها إلى قدميه العملاقتين وردة شآمية مضرجة بالقاني: من تنتظر هنا منذ أعوام أيها المرمي الوسيم؟ سنوات طوال وأنت تطلق ساعديك للمدى، ترسم نظرة الترحيب في مقلتيك وابتسامة اللقاء على شفتيك، ألم يفتك بك الشوق ويضجرك انتظار هذا الحبيب الذي أفنيت سنيناً واقفاً تنتظره؟
كان السائق يضحك حينما تخبره أن "الشخص" هو إمرأة تنتظر احتضان رجل تحبه! تصرّ أن هذا الحجر الفارع الطالع، وفي السماء مجد عينيه، لايمكن أن يكون إلاّ امرأة! لأن المرأة أكثر ثباتاً على العشق، وصبراً على الانتظار.
أهل المدينة يسمون التمثال "الشخص" بينما العشاق والأدباء والسياح يغازلونه بـ "المرمي الوسيم".. يتربع على تليلة اصطناعية -تشكّل أهم وأخطر دوّارات المدينة- تتيح له مزيد الشموخ والإطلالة من مشارف حلب، وبالتالي العديد من التقاطعات الخطرة التي تجمد نظراته إليها ولا يحرك سبابته أن انتبهوا، ولا يرف جفنه لأطفال يقصدون حديقته الصغيرة التي تنبهت لها البلدية أخيراً وسوّرتها، بعد أن التقى "الشخص" بالشخص الذي انتظره أعواماً وفتح له الأحضان يشرّعها للموت عند قدميه!
الشابة التي أنهت دراستها الجامعية، صارت كلما دخلت المدينة أو خرجت منها، تراه عن قرب، توقف سيارتها قبالة وجهه الموغل في غيم الأفق، كما لو أنه لم يعد ينظر إلى المدينة العريقة الجميلة! تسأله: من تنتظر طيلة سنوات؟ تخطو إليه تقترب منه أكثر علّها تجد شاخصة ما تقول "هنا يقف فلان الفلاني، منذ عام كذا" لكن.. لا معلومات عن هذا التمثال- الشخص.
حين كبرت أكثر، أمست كلما رفرف جناح طائرتها في الفضاء فوقه تشيح عنه بوجهها الدامع، تتمنى لو ترمي ورودها الحمراء إلى قدميه المكسرتين المرممتين بعد حادث سير رهيب يتحدث عنه المارة بوجائع الكلام وفجائع التنهيدات! وتسعى جاهدة أن تدوّن البلدية في شاهدة عند سفحه:"هنا سُجي الرجل -مع زوجته- الذي انتظرهما التمثال طويلاً ".
قبل عامين وجرح لا يندمل، مذ خطف التمثال، شقيقها وزوجته في اصطدام مهول بكت له أحجار المدينة بأسرها، توقفت عن سؤاله: من تنتظر أيها المرميّ البشع، متحجر القلب؟
http://jsad.net/attachment.php?attachmentid=19349&d=1159617096
.