Promise
03-05-2010, 03:49 PM
-١-
لطالما سألتُ نفسي ماذا لو أن حديثً النفسٍ يُسمع؟
ماذا لو فاض حديث نفسي فبدأ بالتسرب وفقدتُ سيطرتي عليه؟
حين يتبقى لي من فتات الوقت فضلة تسمح لي بأن أشاهد التلفاز يفزعني منظر بطلات الأفلام وهن يحدثن أنفسهن بصوتٍ يسمعه المشاهدون وإن كان لا يسمعه بقية أبطال المسلسل.
أتصور أن يحدث لي أمرًا مشابها. أن تكون شفاهي مُطبقة وصوت أفكاري مسموعً من الآخرين دونً علمي..
لو أننا نفكر بغير اللغة. أو لو أني على الأقل أملك ما يكفي من الوقت لكي اخترع لي رموزا وشفرات أفكر بواسطتها.
هل سيقتلني زوجي إذا وصله صوت أفكاري أم أن حنقي كفيل بجعله يقتل نفسه؟
هل سيظن أبنائي أني لا أحبهم؟
وهل ستلعن أمي تربيتها لي بمعية الساعة التي أنجبتني فيها؟
من هنا جاءت فكرة كتابة مذكراتي النفسية. لن أقول مذكراتي اليومية. لأن أيامي تشبهني تماما.. باهتة باردة رثة ومشغولة بكل شيء ولا تتضمن أي شيء غير الروتين الممل الذي يمكنني تنفيذه فقط ولا يمكنني كتابته.
أما حياتي الداخلية، هذا الفيض من الصراعات والاحتجاجات والاشتباكات والقرع المتواصل والضجيج الذي لايشبهه شيء هي الأجدى بالكتابة. ليس لأنها تتضمن أحداثا غير عادية، هي لا تتضمن أي أحداث أصلا، ولكن لأنها تكتظ بمئات الأسئلة التي تلاحقها اللعنات بدلا عن الاستفهامات.
فأين أنا في زحام أولوياتي أو بالأصح أولوياتهم التي صار لزامًا علي أن أؤديها وصار لزاما عليها أن لا تنتهي.. فأظل أدور وأدور في دوامة طلباتهم وأنا أحاول تلبيتها حتى أسقط من الإعياء كل يوم وأنا أكاد أنسى اسمي.
لطالما وجدت أن صورة جمل المعصرة معصوب العينين الذي يدور في نفس الطريق بلا توقف تطابق صورتي تماما وأنا أركض لتلبية هذه الأعمال التي تتراكم أكثر كلما أنجزتها.. كلانا يسير وهو لا يعرف طريقه وكلانا يدور حول متطلبات غيره مع فارق بسيط. عصابة الجمل على عينيه وعصابتي على رأسي خشية أن ينفجر بالصداع وأملا في أن تمنع أفكاري من التسرب.
بدأتُ هذه العادة منذ أيام الخطوبة، فزعتُ من فكرة محادثة شخص لا يربطني به إلا عقد ورقي ولم أعرفه طيلة حياتي. فكنت طوال المحادثات الهاتفية أظل شبه صامتة واكتفي بالتعليق على كلامه داخل نفسي.
تفاقمت الحالة حين وجدت نفسي معه في غرفة واحدة ويا للعار على سريرِ واحد. كنت أسأل نفسي بجنون وبهستيريا مَن هذا الشخص الذي ينتهكني بوثيقة شرعية؟
استيقظت في ليال كثيرة وطويلة وأنا أسأل نفسي لثواني (أين أنا)؟ فاتذكر أني تزوجت.
ما معنى هذه الكلمة؟
(تزوجت). و من يكون هذا الشخص المسمى بزوجي. أين كان قبل وأين كنتُ أنا.
هذا رجلُ غريب لو أني قلت (لا) في ساعة الخطبة لظل غريبا عني للأبد، فكيف انتزعني من أهلي وقد عشت ما مضى من عمري معهم وسيظلون أهلي للأبد.
كانت أول لعنة يتلقاها مني في الشهر الذي يسمونه بشهر العسل -بالمناسبة أنا لا أحب العسل فهو حاد في حلاوته ثقيل في تكوينه فهل لهذا علاقة ببغضي لتلك الأيام؟- لا يهم المهم أنه تلقى أول لعنة مني حين كان يحادث صديقه وأنا بمعيته في السيارة فقال: "سأوصل الأهل وألقاك بعدها".
فلعنته مرة لأنه تبجح و وصفني بهذا الوصف. ولعنته ثانية لأنه فتح عيني على هذه الحقيقة البشعة.. لقد صار هذا الغريب أصلا في قائمة الأهل وأهلي الذين عشت بمعيتهم حياتي الماضي صاروا هم الفرع الآخر الآن.
لعنته ولعنت نفسي.. وبالطبع كانت كلها لعنات غير مسموعة.. ربما لو نطقت بها آنذاك لما كنت أجلس لكتابة كل هذا.. ربما كنا سننفصل وستنفصم هذه العلاقة التي نجعلها كل شي ونجعل طرفيها (أهل) بينما هي هشة جدا تنفصم بكلمةٍ تتردد ثلاث مرات.
لا, إنها لا تنفصم بلعنة.
لقد تبادلنا التخوين و التهديدات في مرحلةٍ تالية, و لم تنفصم هذه العلاقة التي دخلناها بمباركة الآخرين, و تورطنا فيها أكثر بسعي الآخرين إلى الإصلاح.
لقد كانَ يرقد إلى جواري و ترقد في أدراج مكتبه صور لفتاة يعرفها من قبل هذا ارتباطنا و لا زال يُبقي على علاقته بها. في الحقيقة حينُ وجدتها لم أغضب بقدر ما شعرت أني وجدتُ أخيرًا مسوغًا معقولاً للنهاية.
و أخيرًا, صار بوسعي أن أقول أني لا أريده, دون أن يقولون لي: "إذن من الذي تريدين؟".
أخيرًا أصبح دليل إدانته في يدي, و بدلًا من أًنْ أكونُ فتاة لا عقلانية سأصبح أخيرًا عقلانية وأملك أدلتي المقنعة لقرار عقلاني.
(يتبع)
لطالما سألتُ نفسي ماذا لو أن حديثً النفسٍ يُسمع؟
ماذا لو فاض حديث نفسي فبدأ بالتسرب وفقدتُ سيطرتي عليه؟
حين يتبقى لي من فتات الوقت فضلة تسمح لي بأن أشاهد التلفاز يفزعني منظر بطلات الأفلام وهن يحدثن أنفسهن بصوتٍ يسمعه المشاهدون وإن كان لا يسمعه بقية أبطال المسلسل.
أتصور أن يحدث لي أمرًا مشابها. أن تكون شفاهي مُطبقة وصوت أفكاري مسموعً من الآخرين دونً علمي..
لو أننا نفكر بغير اللغة. أو لو أني على الأقل أملك ما يكفي من الوقت لكي اخترع لي رموزا وشفرات أفكر بواسطتها.
هل سيقتلني زوجي إذا وصله صوت أفكاري أم أن حنقي كفيل بجعله يقتل نفسه؟
هل سيظن أبنائي أني لا أحبهم؟
وهل ستلعن أمي تربيتها لي بمعية الساعة التي أنجبتني فيها؟
من هنا جاءت فكرة كتابة مذكراتي النفسية. لن أقول مذكراتي اليومية. لأن أيامي تشبهني تماما.. باهتة باردة رثة ومشغولة بكل شيء ولا تتضمن أي شيء غير الروتين الممل الذي يمكنني تنفيذه فقط ولا يمكنني كتابته.
أما حياتي الداخلية، هذا الفيض من الصراعات والاحتجاجات والاشتباكات والقرع المتواصل والضجيج الذي لايشبهه شيء هي الأجدى بالكتابة. ليس لأنها تتضمن أحداثا غير عادية، هي لا تتضمن أي أحداث أصلا، ولكن لأنها تكتظ بمئات الأسئلة التي تلاحقها اللعنات بدلا عن الاستفهامات.
فأين أنا في زحام أولوياتي أو بالأصح أولوياتهم التي صار لزامًا علي أن أؤديها وصار لزاما عليها أن لا تنتهي.. فأظل أدور وأدور في دوامة طلباتهم وأنا أحاول تلبيتها حتى أسقط من الإعياء كل يوم وأنا أكاد أنسى اسمي.
لطالما وجدت أن صورة جمل المعصرة معصوب العينين الذي يدور في نفس الطريق بلا توقف تطابق صورتي تماما وأنا أركض لتلبية هذه الأعمال التي تتراكم أكثر كلما أنجزتها.. كلانا يسير وهو لا يعرف طريقه وكلانا يدور حول متطلبات غيره مع فارق بسيط. عصابة الجمل على عينيه وعصابتي على رأسي خشية أن ينفجر بالصداع وأملا في أن تمنع أفكاري من التسرب.
بدأتُ هذه العادة منذ أيام الخطوبة، فزعتُ من فكرة محادثة شخص لا يربطني به إلا عقد ورقي ولم أعرفه طيلة حياتي. فكنت طوال المحادثات الهاتفية أظل شبه صامتة واكتفي بالتعليق على كلامه داخل نفسي.
تفاقمت الحالة حين وجدت نفسي معه في غرفة واحدة ويا للعار على سريرِ واحد. كنت أسأل نفسي بجنون وبهستيريا مَن هذا الشخص الذي ينتهكني بوثيقة شرعية؟
استيقظت في ليال كثيرة وطويلة وأنا أسأل نفسي لثواني (أين أنا)؟ فاتذكر أني تزوجت.
ما معنى هذه الكلمة؟
(تزوجت). و من يكون هذا الشخص المسمى بزوجي. أين كان قبل وأين كنتُ أنا.
هذا رجلُ غريب لو أني قلت (لا) في ساعة الخطبة لظل غريبا عني للأبد، فكيف انتزعني من أهلي وقد عشت ما مضى من عمري معهم وسيظلون أهلي للأبد.
كانت أول لعنة يتلقاها مني في الشهر الذي يسمونه بشهر العسل -بالمناسبة أنا لا أحب العسل فهو حاد في حلاوته ثقيل في تكوينه فهل لهذا علاقة ببغضي لتلك الأيام؟- لا يهم المهم أنه تلقى أول لعنة مني حين كان يحادث صديقه وأنا بمعيته في السيارة فقال: "سأوصل الأهل وألقاك بعدها".
فلعنته مرة لأنه تبجح و وصفني بهذا الوصف. ولعنته ثانية لأنه فتح عيني على هذه الحقيقة البشعة.. لقد صار هذا الغريب أصلا في قائمة الأهل وأهلي الذين عشت بمعيتهم حياتي الماضي صاروا هم الفرع الآخر الآن.
لعنته ولعنت نفسي.. وبالطبع كانت كلها لعنات غير مسموعة.. ربما لو نطقت بها آنذاك لما كنت أجلس لكتابة كل هذا.. ربما كنا سننفصل وستنفصم هذه العلاقة التي نجعلها كل شي ونجعل طرفيها (أهل) بينما هي هشة جدا تنفصم بكلمةٍ تتردد ثلاث مرات.
لا, إنها لا تنفصم بلعنة.
لقد تبادلنا التخوين و التهديدات في مرحلةٍ تالية, و لم تنفصم هذه العلاقة التي دخلناها بمباركة الآخرين, و تورطنا فيها أكثر بسعي الآخرين إلى الإصلاح.
لقد كانَ يرقد إلى جواري و ترقد في أدراج مكتبه صور لفتاة يعرفها من قبل هذا ارتباطنا و لا زال يُبقي على علاقته بها. في الحقيقة حينُ وجدتها لم أغضب بقدر ما شعرت أني وجدتُ أخيرًا مسوغًا معقولاً للنهاية.
و أخيرًا, صار بوسعي أن أقول أني لا أريده, دون أن يقولون لي: "إذن من الذي تريدين؟".
أخيرًا أصبح دليل إدانته في يدي, و بدلًا من أًنْ أكونُ فتاة لا عقلانية سأصبح أخيرًا عقلانية وأملك أدلتي المقنعة لقرار عقلاني.
(يتبع)