الجرح المقدس
07-06-2010, 07:24 PM
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/f/f8/Stolichnaya.jpg/150px-Stolichnaya.jpg
الصداع يحطمُ رأسي كل ثانية تلاحق سابقتها على صدر ساعة حائط ، جُمجمتي تبدوا كمساحة مُستباحة من قبل صُداع ينفذُ مابدالهُ من أفكار إحتلال مُعادية ، جبهتي العريضة التي يُشبهها الناظرون كمقدمة رأس لشاحنة volvo سويدية تعبر على خط الإسفلت الغير مُطابق للموصفات العالمية – من تنفيذ حكومة – إنهبني !.. وعينيّ أشعرُ بهما وكأن حراب بلال تُوغر في حدقتيهما رؤوسها المدببة البالغة الدقة في الإختراق ، أو كحصى بلون أبيض صفرواي جُمعت من منطقةٍ صخريةٍ لرمي جمرة السهر المتمدد مابين جفنيّ آخذاً لحظاتهُ الطويلة ذات الأرق ، يُعاقبني في جُنحٍ من الليل بدون ارتكاب عينيَ لأيُما جريمةٍ أثناء الصحيان بحق المناظر الجميلة – بما فيها – منظر الممرضات ذوات اللون الأبيض ، يوزعن الإبتسامات أمامهن كحلوى العيد على الصغار في طريقهن إلى ممارسة – الرحمة – بأصابع تُشبهُ أطراف الحمام قابضةً على غُصنٍ أخضر لشجرةٍ باسقة . تذكرتها وأنا أنظر إليهن ليلة أمس ، وبمناسبة الذكرى زارتني غيبوبة الإحساس بنشوة الإنتصار على الغياب !..
أشعرُ بجُمجمتي في هذا الليل كمخبأ مهيئ بإتقان معماريّ لاختباء الصداع ، الأوجاع ، الشقوق ، والف خطيئةٍ تُطاردها السلطاتُ القمعية غير مُفرقةٍ بين خطيئة المحظورة ، وخطيئة الضرورة ، غير أن جُمجُمة المخبئ المُتقن ، غير صالحةٍ لاختباء الزعماء العرب من المحيط إلى الخليج ، من عقاب الزمن القادم ، وطنين ناقوس العدالة القادم غير آخذٍ باعتبارات الولاء الكاذب ، ولا هتافات القبيلة – بروحٍ ودم – ولا حماية الجند المنتشرين حول بوابات القصر كفطريات عفنة ، منها ذو السم الذي يقتلُ الماشية حين ترعى ، ماشيةُ لن تكون سوى تجمعٍ بشريّ فاشل ، ورؤوس مختلفة الأحجام – لا يجمعها سوى تفكير الغباء ، وحالةُ الإنحناء ، واحتواء الخرافات القديمة التي رواها جدي كثيراً قبل موتهِ على أبناء أبناءه الصغار ، كي يشعرون حين تمر برؤوسهم هالاتُ نور ، كم كان زمنُ جدي زمناً بملامح بلاهة ، ومجموعةٌ من ترهات الفكر الشعبيّ ، وأشبه بكوميديا يائسةٍ أطالت العرض فمل منها المشاهد دون أن تلد شفاههُ أيما ضحكةٍ ولو ساخرةٍ بحجم خُرافةٍ أدمنتها كائنات بشر بدائية ، كانت ترى في الظلام ، لأن للُخرافة شررٌ كالقصر ، حين يتوهج لايُريك سوى بؤس التفكير ، وبؤس الخيال ، وبؤس الإدمان في خارج مساحة المعقول المعتقِ بالمنطق – المتوجُ بالحقيقة !..
أشعرُ بألم ، كذلك بأوجاع ، أخرى بوخز ، وثالثةٌ بتمزقات وتصدعات في تضاريس القلب ، تضاريس شكلها " الجُرح " ولونها الإحمرارُ دونما شفقٌ لقرص الشمس الغائب في الليل ، الوانٌ فسفوريةٌ تسطعُ احمراراً في الظلام ، وتشرقُ من بين ثغراتها في جسد الكلام ، أما رابعُ شعوري فهو أنني " كجسدٍ طويل تتسلقهُ الشقوقُ بغية إسقاطهِ كتمثالٍ قديمِ من عهد سبأ ، أهملتهُ عنايةُ الأثار ، وتكالبت عليه أكفٌ سوداء من الخيانة ، لا تتركُ سوى آثار لصٍ أرعن ، لا يتجاسرُ في انحطاطهِ سوى في طيات الظلام ، وغفوة الأنام ، هؤلاء لو كانوا يقظون أيضاً لعجزوا عن حماية تمثالٍ سبأيٍ قديم ، من تحريكه نحو الجريمة ، بأنفاس الخوف ، وحركات التسلل المرتبك من خلف شباك الفضيلة !..
أعرفُ أن الواقع يستفزني كثيراً ، يهزني ملياً ، يتُوهني طوبلاً من مكان بدايتي كمسافرٍ نحو المناطق الخالية من القُبح ، إلى نقطة وصولي باصطدامي بعنوان أقبحَ لمحطةِ التقاء الأبيض بالأسود ، العالي مع الواطي ، العزةُ مع حقارةِ خصمها ، عنوانُ لا يُوصلك إليه غريباً سوى عربةُ التيه حينما تزودت بوقود إتعابك في رحلةٍ غير واضحة الأفق ، ترى الغيمة ركاماً كأنما حُبلى بالمطر ، فتصطدمُ بها جبلاً أسوداً وصلباً يتسللٌ نحو لون سماءٍ لا زورديّ ، لاغتيال الطيور ، واجتراح أجنحة ملائكةٍ تُحلقُ بخفةٍ بيضاء ، مابين مساحةٍ للزهور وأخرى لأشواك تطاولت على طبيعة الكائنات ، تحلقُ تارةً فتلمسُها وردة ، وأخرى تحلقُ فتوخزها عشرٌ من أشواك جارحة ، ولها من السُّمية ما يصيبُ جناح ملاكٍ بالشيخوخة ، حين يقاومُ شيخوخة جناحه الرهيف بتمارين يوميةٍ كي يبلغ مسافة عالية مما يصور تكوُّن الدهشةِ بعد صحو الأجواءِ من المطر ، وتلاشي غيمات سوداء احتضرت قبل قليلٍ مابين الروح وسماءها ، ودفنت نفسها بتلاشٍ في لغزٍ غامضٍ للإختفاء ، لغزٌ غامضٌ لا يرغبُ في حله أي هاوٍ لقنوات اللصوص باسم الثقافة ، ولم يُشيعُها أحدٌ نحو مثوىً أخير ، وقبرٍ صغير ، لن يكون سوى
مساحةُ زفرةٍ تدفعُ عن رئتيك سموم احتقنت من شدة حقد المُجرم ، مركبةٌ بعنايةٍ للقتل ، فتقتُلها يعناية عزيمةٍ مركبةٍ لتصفية الأجواء ، ودعوةُ طيور بألوان طبيعيةٍ لافتعال مارثون صباحيّ ، أيُ طيرٍ لأمنيةٍ مُرتقبةٍ وحلمٍ مُشرعٍ تحملهُ الرياحُ كبساط سندباد ، يصلُ أولاً ، وتمتطيه نحو " الهند " حيث يسحرك بدهشةٍ إحدى الماهرات بمُراقصة أوجاعك المؤقتةُ كقنابل عنقوديةٍ تعملُ بأتوماتيكية شريرةٍ تفرقعُ في قلبك وجعاً بعد الآخر !..
أرغبُ كما الآن في ليلةٍ صامتةٍ سوى من طقطقةِ الكيبورد لحاسبٍ يبتلعُني وجعاً فيمجُني أحد تسالي الأطفال ، ومتعة الكبار ، من هُنا أرحلُ الماً قُدسياًَ في " الجُرح " فيتلقاني آخرون بمُتعةٍ مُفاجأةٍ دون موعدٍ في حالة مذاق الأشياء ، عندما أشعُرني بأشد الأوجاع ، فيشعرُون في أذواقهم بأحدَّ طقوس الإمتاع ، حينها أعرفُ فجأةً أيضاً – أنَ الأوجاع التي تقتلني ، الطعناتُ التي تغتالنُي ، تصنعُ من جثتي غذاءً لملكات النحل القاتلات حيناً ، ومخبئٌ لدبابير اغتيال العابرين تحت الظلال أحياناً كثيرةً يراها بعضُ الأشهادِ بالصدفة ، ولا تتناولها وسائلُ الإعلام للضرورة !.. وحين يتناقلها الناس تبدوا كحكايا جدي التي تم تنسيقها في مرحلة الخُرافة ، أو كالمُبالغات الحوارية في مرحلة الحداثة ، مابين المرحلتين في الزمن ، تطور الفأرُ في زمن غابر حتى أمسى وحشاً يلتهمُ القوافل بين الغابة والرمل ، وتطور الكذبُ في زمنٍٍ الآن حديث ، حتى صار أحد عناصر تحويل الأشياء بمهارةٍ تُساندهُ طفرةُ التقنيات ، حيثُ صار من تُرعبهُ ديدانُ الأرض بطلاً قومياً قوياً وشجاعاً بثنايا ابتسامةِ قصيدةٍ شعريةٍ مارقةٍ من الشعر الشعبيّ ، تسطعُ كي يراها أحد الشًجعان " وهماً " فتجتذبهَ نحو شواطئها أحد الماضين نحو الغرق .. حاملاً بكفيهِ طوقاً من الجواهر لا طوق نجاة ، بجانبها يُظلمُ السطوع ، تلتهمهُ بسلاسةٍ ، لا تمرُ بأي سوء حالةٍ للهضم ، فتمجهُ في الضحكة الأخرى كأنه " الكذب " الجُبن ومشتقاتهُ من الخوف ، وفي شكل الفأر المُتضخمُ بتكراره قصةٌ للبطولات – في معركةِ الخُرافة !..
في ماذا أرغب ؟.. هل بزُجاجةِ فودكا روسيةٍ عبقةٍ في استراحة المحاربين ، أقمعُ عُنقها النحيل راضيةُ مرضيةُ ، سلمت أصلها لقصاص ليليّ ، أسكبها في جُمجمتي سكباً مُغرقاً ، فتطفو على شواطئها مقتولةٌ ذكرى مؤلمةٌ لماضٍ " لاصق " يقاومُ الكشط من خلايا العقل بآلات حادةٍ لتنظيف المواد القاتمة – تتمسكُ بمبدأ إتلاف الذاكرةِ تحت إيهام الذكريات ، و صداعٌ متكورِ كشكل كرةٍ لم يجري بُجمجُمتي المتصدعة – أن أتبرع به في جنوب أفريقيا - بموصفات توافق الكثير من الماهرين بصناعة التكور ، وطنينٌ وصدىً لضربٍ خفيّ بمعاول حجريةٍ تسمعها كل الكائنات سوى الإنسان ، وفوضى وممارسةٌ لعبثٍ مستمرٍ بقدرةِ هذا الرأس البشريّ على التحمل حتى صار ، حين تُمسي أثقالهُ المتجددةُ كهضاب مُتلاصقةٍ من أفكار ليست من أجل الإبداع الإنسانيّ ، لكنها إبداعُ قتل الإنسان نفسه ، حين يصبح " الإغتيالُ " حالةٌ من اختفاء مؤقت لرجل يتشممُ أثار قدميه كلب بوليسٍ عربيّ يمشي على اثنتين ، يشتمُ روائح حذاء مُسافرٍ نحو ذاته ، ويلتحسُ كل ذرةِ رمل أصيبت بوسخ البُعدِ ، وافتقاد مكانٍ كفلسطين ، كأقل الأماكن منطقية لاحتواء المتسخين بآلام غربةٍ صارت كساءً رثاً لأحد الأيتام في أعياد الأمراء ، من يُلمعون أحذيتهم الإيطالية بدموع عربية ، وينفثون على قُمصانهم الباريسية – آهات المسحوقين في أعياد لا تُشبهُ سوى حالة الحب الواحد في تاريخ عاطفة تواجهُ حياكة كفن الموت ، رسم خُطةٍ للتيه ، حشد القدرات المتوفرة لطعنةٍ مُفاجأة ، ودفع كل سنين الزمن بلا كوابح مروريةٍ لصدمةٍ مُبعثِرة .. لحظة أن تغدو كفٌ للغدر – تحفرُ للحب قبراً في عمق – النهدة !..
أيُّ ليلةٍ تحُفني فيها الدنيا بما رحبُت ، أيٌ زوايةٍ مسائيةٍ تبدو كسلةٍ لنفايات الأيام ، طعناتُ خلفيةٌ لمن حميتُ صدورهم من الأمام – تندلقُ نحوها حرابُ القتل ونزفِ الدماء بدلو التوحش ، أخذُ منها ما استطعتُ من النصيب المُر مُرصعٌ كحبات ياقوت على واجهة الصدر الأعزل سوى من " جُرحٍ " شقهُ ذات طعنةٍ في التاريخ القديم خنجرٌ مهووسٌ بخربشات نحاتٍ يائس ، مارس الطعن بطرقٍ مُتشكلةٍ في كل شكلٍ - أحدُ أغراض اغتيالٍ سافرٍ مُتعرٍ كمومسةٍ في حانة تسهرُ بها امرأةٌ واحدةٌ وعشرةٌ من الرجال ، كما الموتُ الواحد في هيئتهِ حين يُحدث فوضى إجتماعيةٍ كبيرةٍ بين دُخان صاروخ واحدٍ مُعبأ بكل وحشية جزاريّ العالم ، لكنهُ كماكرٍ بميعاد حفلةِ صديقه يختلق بعد انتهاء الرقصة الأخيرةِ ، وإسدال الستار على آخر كفِ مُصافحٍ للحضور – الف سببٍ وقد كان يحرضُ الكثير من الحضور على مقربةٍ من المكان – على الرجوع بأرواح سالمةٍ من الدفن ، بأنها – حفلةٌ جماعيةٌ لموتٍ عقد معه صاحب الإحتفال – بيعة في المساء ، وأسماها بيعة العقاب !..
أيُّ ليلةٍ من ليالي هذا الزمن الممتدُ كألمٍ بلا نهايةٍ ، قصةٌ لم يستطع أحد المخرجين بإكمالها في أحد مشاهد نهائيةٍ ، ولو كانت نهايةٌ فيها إحدى أكبر مأساوية التاريخ البشريّ ، تستحقُ إحدى خطيئة إنسانيةٍ مهما كانت عملاقةٌ هوّل من حجمها عقاراتُ الفتاوى ، حتى صار العالمُ بما فيه هذه الليلةُ – أصغر الأقزام – تستحقُ زُجاجة فودكا روسيةٍ يحتضنها المحاربون في استراحةٍ تحت ظلال البارود ، أحتضنها بشغف ، أعاقرها بشبق ، في أحد أروع لحظات مُمارسة الغواية حين تقودك من عالمٍ فاجعٍ يضجُ مضجع طمأنينتك مع الأشياء ، يُبعثرُ نبضك المرتب فلا يصل إحساسك سوى نحو إيلامُ فجأةٍ حاد ، يواجهك أعزلاً دون موعدٍ تتلتحمُ في لحظته مهاراتُ الفرسان ، حين يرى الملأُ فارساً يقتلُ بالحرف ، وآخر يستخدمُ كل الأدوات البالغة دقتها في القتل فيفشل ، وتبدو سوأة جُبنهِ للناظرين !..
أيّ ليلةٍ تستحقُ فيها جُمجمتي أن تتقيأ كل حجارة الصداع في حوض غيبوبةٍ تُسافرُ في أبعد مسافتها بكل آلام " الجُرح " ذات مخالب ، وهموم العقل ذات القدرةِ على جعل العالم في مساءك ضيقاً كخطوةِ تائهٍ مُحتجزٍ في مكانٍ بروازهُ إحدى سقطةٍ سحيقةٍ لا تخط نحوها قدمك – خطوةٌ أخرى مديدة ؟.. ليلةٌ تنفضُ بها هموماً من جُمجمتك كمطفأةٍ للسجائر على طاولة أحد الحشاشين ، أو تغسلها كبراد لشايٍ أحمر تم سكب آخر الأكواب برائحة النعناع ، أوحبةٍ بيضاء بها أعاجيبُ إخفائك القسريّ عن فوضى الكون الملوث بأزيز الصواريخ المسافرةُ للقتل ، وضجيجُ البشر الغارقين في أصوات نفاق بُكاء المآتم ، وضحكات نفاق المشاعر ، ومن خلف أقنعةٍ سحريةٍ تلك أوجه شبهٍ بين المنافقين من يجمعون النهار بالليل في لحظةٍ واحدة ، ويمزجون البسمة بالعبوس في شفةٍ واحدة ، ويشعرون الحب والكره في قلبٍ واحد لشخصٍ واحد ، لأنهم الماهرون في الخداع والتناقض ، وتشييدُ متاريس النفاق ، يختبئون في الغُموض ، حين تستطيع أن تكون ماهراً في اجتثاثهم للأعلى ، تجدُ أنهم ينظرون الأشياء الفردية ، نظرةٌ تُعددها مُتزاوجةٌ حتى يبدوا الإله في حقيقتهم – أكثر من واحد !..
أيٌُ ليلةٌ هذه التائهةُ في الوقت ، تحتاجٌ في نفحات نسائمها أن تنتظرُ إحدى الفاتنات بشعرية همساتها ، ودقةِ ابتسامتها ، ورقةِ ملمسها ، وزكاء أنفساها ، وإيقاع خطواتها ، وغوايةِ عينيها ، وهدايةِ قُبلتها ، وخفةِ حركاتها ، وعذوبةِ ريقها ، وجاذبيةِ نهديها ، ودفئُ صدرها ، وسطوعُ بهائها ، وفوضى خلعها لملابسها في كل الزوايا حول المخدع ، وامتداد مساحتها الجسدُ كأوسع الأوطان ، وأروعُ مراتع الخطيئة ، وسخُونةُ إحساسها برغباتٍ قادمةٍ من أقصى داخلك ، أبعدُ مسافات ضمأك ، وقوةُ التحامٍ أسطوريّ لجسديّ أروعُ صورةٍ للإنسان الثائر على فضيلةِ الزيف البشريّ ، وأجملُ آداءٍ للفن الأحمر على مسرح شهقةٍ كلما اتسعت أغرقت العالم الخرافيّ في واقعية الوجود ، ليلةٌ لا تُشبه كل ليال الزمن القاهر ، وأنثى كما تستحق أن تبيع مقابل شهقتها نصف العالم ، تستحقُ أن تبيع من أجل رهزتك الأشبهُ بطريقةِ نحت تاريخٍ مختلفٍ في الصخر ، خارج تاريخٍ تُشبههُ كل أكاذيب الإنسان ، تبيع النصف الآخر للعالم !..
أيَُّ ليلةٍ أمارسُ فيها أعظم خطيئةٍ أرغبها في توقيتِ يُثقلُ الزمن ، يُوقفُ بأشد خشونتهِ عقارب ساعةٍ تركضُ هرباً بما تبقى من لحظات العمر المُشرعُ كهدايا أفراح الناس ، كمحطةٍ لاسترخاء المسافرين إلى أحلامهم ، حياتهم ، وإلى موتهم هناك . تحملُ قلباً لم يعد رغم تضخمهِ بالحب – لمن يرغبُ في ممارسةِ أصول وفقه ونحو وبلاغة الحب – ليُشارك في كرنفال القصائد ، واحتفالات الحكايا ، غير أن هذا القلب المقلد بأعظم وسامٍ " للجُرح المقدس " لم يعد كما سفرٍ أخير ، كإستراحةٍ لحظيةٍ يُشبهُ أحد مقاهي مرتادٍ مؤسف ، جعل من الدقائق كرسي جلوس حول طاولة القلب ، و من النبض المُتداعي أحد النادلين ، واحتسى في لحظته ساخنةً – قهوةُ الكفر !..
هل هي ليلةٌ مثلاً كهذه التي أسهرُ فيها إلى أوجاع أمي كأصنام قديمةٍ نفخت فيها روحاً تلك الأقدار ، فتحركت قاسيةً تُعربدُ بشبق ، أتحسسُ جُمجمةً موشكةٌ على الإنفلاقِ كبلقة ، وقلباً تمُزُهُ الأحزانُ ككفين من الصخر الصلد ، وجفناً مُكتحلاً بالسهد ، وجسداً يتهاوى على بعضه كشهب نيازك تنطفئُ بعد أن تُضيئ للقادمين من القتلة مني ، حيث يغسلون خناجرهم كمن أجنب بصيامهِ على كساء الكعبة .
هنا حيثُ أرتبُ كل الآلام لمقطوعة فنٍ الأسفار ، موسيقى الخطيئة ، تعزفُها الرغبة ، حتى ما إن سكر الكون ، غوت الملائكة ، رغبت في أن تُعاقر مثلي زجاجة فودكا روسية ، أن تُمارس الحُب مع أنثى تُشبهُ فاتنتي في حُلم الخطيئة ، الخطيئة التي ما إن تزينتُ بألوانها ، توجهتُ نحو الجحيم مُبتسماً للرب !..
صنعاء – المستشفى الجمهوري – حيثُ صار الشعورُ بالخطيئة تاجاً للرغبة ، وسلة مُهملات الفتاوى
الجرح المقدس - حين يقوم الجُرحُ بارتجالي إحدى أطهر السيئات !..
3/ يونيو / 2010 م
.
الصداع يحطمُ رأسي كل ثانية تلاحق سابقتها على صدر ساعة حائط ، جُمجمتي تبدوا كمساحة مُستباحة من قبل صُداع ينفذُ مابدالهُ من أفكار إحتلال مُعادية ، جبهتي العريضة التي يُشبهها الناظرون كمقدمة رأس لشاحنة volvo سويدية تعبر على خط الإسفلت الغير مُطابق للموصفات العالمية – من تنفيذ حكومة – إنهبني !.. وعينيّ أشعرُ بهما وكأن حراب بلال تُوغر في حدقتيهما رؤوسها المدببة البالغة الدقة في الإختراق ، أو كحصى بلون أبيض صفرواي جُمعت من منطقةٍ صخريةٍ لرمي جمرة السهر المتمدد مابين جفنيّ آخذاً لحظاتهُ الطويلة ذات الأرق ، يُعاقبني في جُنحٍ من الليل بدون ارتكاب عينيَ لأيُما جريمةٍ أثناء الصحيان بحق المناظر الجميلة – بما فيها – منظر الممرضات ذوات اللون الأبيض ، يوزعن الإبتسامات أمامهن كحلوى العيد على الصغار في طريقهن إلى ممارسة – الرحمة – بأصابع تُشبهُ أطراف الحمام قابضةً على غُصنٍ أخضر لشجرةٍ باسقة . تذكرتها وأنا أنظر إليهن ليلة أمس ، وبمناسبة الذكرى زارتني غيبوبة الإحساس بنشوة الإنتصار على الغياب !..
أشعرُ بجُمجمتي في هذا الليل كمخبأ مهيئ بإتقان معماريّ لاختباء الصداع ، الأوجاع ، الشقوق ، والف خطيئةٍ تُطاردها السلطاتُ القمعية غير مُفرقةٍ بين خطيئة المحظورة ، وخطيئة الضرورة ، غير أن جُمجُمة المخبئ المُتقن ، غير صالحةٍ لاختباء الزعماء العرب من المحيط إلى الخليج ، من عقاب الزمن القادم ، وطنين ناقوس العدالة القادم غير آخذٍ باعتبارات الولاء الكاذب ، ولا هتافات القبيلة – بروحٍ ودم – ولا حماية الجند المنتشرين حول بوابات القصر كفطريات عفنة ، منها ذو السم الذي يقتلُ الماشية حين ترعى ، ماشيةُ لن تكون سوى تجمعٍ بشريّ فاشل ، ورؤوس مختلفة الأحجام – لا يجمعها سوى تفكير الغباء ، وحالةُ الإنحناء ، واحتواء الخرافات القديمة التي رواها جدي كثيراً قبل موتهِ على أبناء أبناءه الصغار ، كي يشعرون حين تمر برؤوسهم هالاتُ نور ، كم كان زمنُ جدي زمناً بملامح بلاهة ، ومجموعةٌ من ترهات الفكر الشعبيّ ، وأشبه بكوميديا يائسةٍ أطالت العرض فمل منها المشاهد دون أن تلد شفاههُ أيما ضحكةٍ ولو ساخرةٍ بحجم خُرافةٍ أدمنتها كائنات بشر بدائية ، كانت ترى في الظلام ، لأن للُخرافة شررٌ كالقصر ، حين يتوهج لايُريك سوى بؤس التفكير ، وبؤس الخيال ، وبؤس الإدمان في خارج مساحة المعقول المعتقِ بالمنطق – المتوجُ بالحقيقة !..
أشعرُ بألم ، كذلك بأوجاع ، أخرى بوخز ، وثالثةٌ بتمزقات وتصدعات في تضاريس القلب ، تضاريس شكلها " الجُرح " ولونها الإحمرارُ دونما شفقٌ لقرص الشمس الغائب في الليل ، الوانٌ فسفوريةٌ تسطعُ احمراراً في الظلام ، وتشرقُ من بين ثغراتها في جسد الكلام ، أما رابعُ شعوري فهو أنني " كجسدٍ طويل تتسلقهُ الشقوقُ بغية إسقاطهِ كتمثالٍ قديمِ من عهد سبأ ، أهملتهُ عنايةُ الأثار ، وتكالبت عليه أكفٌ سوداء من الخيانة ، لا تتركُ سوى آثار لصٍ أرعن ، لا يتجاسرُ في انحطاطهِ سوى في طيات الظلام ، وغفوة الأنام ، هؤلاء لو كانوا يقظون أيضاً لعجزوا عن حماية تمثالٍ سبأيٍ قديم ، من تحريكه نحو الجريمة ، بأنفاس الخوف ، وحركات التسلل المرتبك من خلف شباك الفضيلة !..
أعرفُ أن الواقع يستفزني كثيراً ، يهزني ملياً ، يتُوهني طوبلاً من مكان بدايتي كمسافرٍ نحو المناطق الخالية من القُبح ، إلى نقطة وصولي باصطدامي بعنوان أقبحَ لمحطةِ التقاء الأبيض بالأسود ، العالي مع الواطي ، العزةُ مع حقارةِ خصمها ، عنوانُ لا يُوصلك إليه غريباً سوى عربةُ التيه حينما تزودت بوقود إتعابك في رحلةٍ غير واضحة الأفق ، ترى الغيمة ركاماً كأنما حُبلى بالمطر ، فتصطدمُ بها جبلاً أسوداً وصلباً يتسللٌ نحو لون سماءٍ لا زورديّ ، لاغتيال الطيور ، واجتراح أجنحة ملائكةٍ تُحلقُ بخفةٍ بيضاء ، مابين مساحةٍ للزهور وأخرى لأشواك تطاولت على طبيعة الكائنات ، تحلقُ تارةً فتلمسُها وردة ، وأخرى تحلقُ فتوخزها عشرٌ من أشواك جارحة ، ولها من السُّمية ما يصيبُ جناح ملاكٍ بالشيخوخة ، حين يقاومُ شيخوخة جناحه الرهيف بتمارين يوميةٍ كي يبلغ مسافة عالية مما يصور تكوُّن الدهشةِ بعد صحو الأجواءِ من المطر ، وتلاشي غيمات سوداء احتضرت قبل قليلٍ مابين الروح وسماءها ، ودفنت نفسها بتلاشٍ في لغزٍ غامضٍ للإختفاء ، لغزٌ غامضٌ لا يرغبُ في حله أي هاوٍ لقنوات اللصوص باسم الثقافة ، ولم يُشيعُها أحدٌ نحو مثوىً أخير ، وقبرٍ صغير ، لن يكون سوى
مساحةُ زفرةٍ تدفعُ عن رئتيك سموم احتقنت من شدة حقد المُجرم ، مركبةٌ بعنايةٍ للقتل ، فتقتُلها يعناية عزيمةٍ مركبةٍ لتصفية الأجواء ، ودعوةُ طيور بألوان طبيعيةٍ لافتعال مارثون صباحيّ ، أيُ طيرٍ لأمنيةٍ مُرتقبةٍ وحلمٍ مُشرعٍ تحملهُ الرياحُ كبساط سندباد ، يصلُ أولاً ، وتمتطيه نحو " الهند " حيث يسحرك بدهشةٍ إحدى الماهرات بمُراقصة أوجاعك المؤقتةُ كقنابل عنقوديةٍ تعملُ بأتوماتيكية شريرةٍ تفرقعُ في قلبك وجعاً بعد الآخر !..
أرغبُ كما الآن في ليلةٍ صامتةٍ سوى من طقطقةِ الكيبورد لحاسبٍ يبتلعُني وجعاً فيمجُني أحد تسالي الأطفال ، ومتعة الكبار ، من هُنا أرحلُ الماً قُدسياًَ في " الجُرح " فيتلقاني آخرون بمُتعةٍ مُفاجأةٍ دون موعدٍ في حالة مذاق الأشياء ، عندما أشعُرني بأشد الأوجاع ، فيشعرُون في أذواقهم بأحدَّ طقوس الإمتاع ، حينها أعرفُ فجأةً أيضاً – أنَ الأوجاع التي تقتلني ، الطعناتُ التي تغتالنُي ، تصنعُ من جثتي غذاءً لملكات النحل القاتلات حيناً ، ومخبئٌ لدبابير اغتيال العابرين تحت الظلال أحياناً كثيرةً يراها بعضُ الأشهادِ بالصدفة ، ولا تتناولها وسائلُ الإعلام للضرورة !.. وحين يتناقلها الناس تبدوا كحكايا جدي التي تم تنسيقها في مرحلة الخُرافة ، أو كالمُبالغات الحوارية في مرحلة الحداثة ، مابين المرحلتين في الزمن ، تطور الفأرُ في زمن غابر حتى أمسى وحشاً يلتهمُ القوافل بين الغابة والرمل ، وتطور الكذبُ في زمنٍٍ الآن حديث ، حتى صار أحد عناصر تحويل الأشياء بمهارةٍ تُساندهُ طفرةُ التقنيات ، حيثُ صار من تُرعبهُ ديدانُ الأرض بطلاً قومياً قوياً وشجاعاً بثنايا ابتسامةِ قصيدةٍ شعريةٍ مارقةٍ من الشعر الشعبيّ ، تسطعُ كي يراها أحد الشًجعان " وهماً " فتجتذبهَ نحو شواطئها أحد الماضين نحو الغرق .. حاملاً بكفيهِ طوقاً من الجواهر لا طوق نجاة ، بجانبها يُظلمُ السطوع ، تلتهمهُ بسلاسةٍ ، لا تمرُ بأي سوء حالةٍ للهضم ، فتمجهُ في الضحكة الأخرى كأنه " الكذب " الجُبن ومشتقاتهُ من الخوف ، وفي شكل الفأر المُتضخمُ بتكراره قصةٌ للبطولات – في معركةِ الخُرافة !..
في ماذا أرغب ؟.. هل بزُجاجةِ فودكا روسيةٍ عبقةٍ في استراحة المحاربين ، أقمعُ عُنقها النحيل راضيةُ مرضيةُ ، سلمت أصلها لقصاص ليليّ ، أسكبها في جُمجمتي سكباً مُغرقاً ، فتطفو على شواطئها مقتولةٌ ذكرى مؤلمةٌ لماضٍ " لاصق " يقاومُ الكشط من خلايا العقل بآلات حادةٍ لتنظيف المواد القاتمة – تتمسكُ بمبدأ إتلاف الذاكرةِ تحت إيهام الذكريات ، و صداعٌ متكورِ كشكل كرةٍ لم يجري بُجمجُمتي المتصدعة – أن أتبرع به في جنوب أفريقيا - بموصفات توافق الكثير من الماهرين بصناعة التكور ، وطنينٌ وصدىً لضربٍ خفيّ بمعاول حجريةٍ تسمعها كل الكائنات سوى الإنسان ، وفوضى وممارسةٌ لعبثٍ مستمرٍ بقدرةِ هذا الرأس البشريّ على التحمل حتى صار ، حين تُمسي أثقالهُ المتجددةُ كهضاب مُتلاصقةٍ من أفكار ليست من أجل الإبداع الإنسانيّ ، لكنها إبداعُ قتل الإنسان نفسه ، حين يصبح " الإغتيالُ " حالةٌ من اختفاء مؤقت لرجل يتشممُ أثار قدميه كلب بوليسٍ عربيّ يمشي على اثنتين ، يشتمُ روائح حذاء مُسافرٍ نحو ذاته ، ويلتحسُ كل ذرةِ رمل أصيبت بوسخ البُعدِ ، وافتقاد مكانٍ كفلسطين ، كأقل الأماكن منطقية لاحتواء المتسخين بآلام غربةٍ صارت كساءً رثاً لأحد الأيتام في أعياد الأمراء ، من يُلمعون أحذيتهم الإيطالية بدموع عربية ، وينفثون على قُمصانهم الباريسية – آهات المسحوقين في أعياد لا تُشبهُ سوى حالة الحب الواحد في تاريخ عاطفة تواجهُ حياكة كفن الموت ، رسم خُطةٍ للتيه ، حشد القدرات المتوفرة لطعنةٍ مُفاجأة ، ودفع كل سنين الزمن بلا كوابح مروريةٍ لصدمةٍ مُبعثِرة .. لحظة أن تغدو كفٌ للغدر – تحفرُ للحب قبراً في عمق – النهدة !..
أيُّ ليلةٍ تحُفني فيها الدنيا بما رحبُت ، أيٌ زوايةٍ مسائيةٍ تبدو كسلةٍ لنفايات الأيام ، طعناتُ خلفيةٌ لمن حميتُ صدورهم من الأمام – تندلقُ نحوها حرابُ القتل ونزفِ الدماء بدلو التوحش ، أخذُ منها ما استطعتُ من النصيب المُر مُرصعٌ كحبات ياقوت على واجهة الصدر الأعزل سوى من " جُرحٍ " شقهُ ذات طعنةٍ في التاريخ القديم خنجرٌ مهووسٌ بخربشات نحاتٍ يائس ، مارس الطعن بطرقٍ مُتشكلةٍ في كل شكلٍ - أحدُ أغراض اغتيالٍ سافرٍ مُتعرٍ كمومسةٍ في حانة تسهرُ بها امرأةٌ واحدةٌ وعشرةٌ من الرجال ، كما الموتُ الواحد في هيئتهِ حين يُحدث فوضى إجتماعيةٍ كبيرةٍ بين دُخان صاروخ واحدٍ مُعبأ بكل وحشية جزاريّ العالم ، لكنهُ كماكرٍ بميعاد حفلةِ صديقه يختلق بعد انتهاء الرقصة الأخيرةِ ، وإسدال الستار على آخر كفِ مُصافحٍ للحضور – الف سببٍ وقد كان يحرضُ الكثير من الحضور على مقربةٍ من المكان – على الرجوع بأرواح سالمةٍ من الدفن ، بأنها – حفلةٌ جماعيةٌ لموتٍ عقد معه صاحب الإحتفال – بيعة في المساء ، وأسماها بيعة العقاب !..
أيُّ ليلةٍ من ليالي هذا الزمن الممتدُ كألمٍ بلا نهايةٍ ، قصةٌ لم يستطع أحد المخرجين بإكمالها في أحد مشاهد نهائيةٍ ، ولو كانت نهايةٌ فيها إحدى أكبر مأساوية التاريخ البشريّ ، تستحقُ إحدى خطيئة إنسانيةٍ مهما كانت عملاقةٌ هوّل من حجمها عقاراتُ الفتاوى ، حتى صار العالمُ بما فيه هذه الليلةُ – أصغر الأقزام – تستحقُ زُجاجة فودكا روسيةٍ يحتضنها المحاربون في استراحةٍ تحت ظلال البارود ، أحتضنها بشغف ، أعاقرها بشبق ، في أحد أروع لحظات مُمارسة الغواية حين تقودك من عالمٍ فاجعٍ يضجُ مضجع طمأنينتك مع الأشياء ، يُبعثرُ نبضك المرتب فلا يصل إحساسك سوى نحو إيلامُ فجأةٍ حاد ، يواجهك أعزلاً دون موعدٍ تتلتحمُ في لحظته مهاراتُ الفرسان ، حين يرى الملأُ فارساً يقتلُ بالحرف ، وآخر يستخدمُ كل الأدوات البالغة دقتها في القتل فيفشل ، وتبدو سوأة جُبنهِ للناظرين !..
أيّ ليلةٍ تستحقُ فيها جُمجمتي أن تتقيأ كل حجارة الصداع في حوض غيبوبةٍ تُسافرُ في أبعد مسافتها بكل آلام " الجُرح " ذات مخالب ، وهموم العقل ذات القدرةِ على جعل العالم في مساءك ضيقاً كخطوةِ تائهٍ مُحتجزٍ في مكانٍ بروازهُ إحدى سقطةٍ سحيقةٍ لا تخط نحوها قدمك – خطوةٌ أخرى مديدة ؟.. ليلةٌ تنفضُ بها هموماً من جُمجمتك كمطفأةٍ للسجائر على طاولة أحد الحشاشين ، أو تغسلها كبراد لشايٍ أحمر تم سكب آخر الأكواب برائحة النعناع ، أوحبةٍ بيضاء بها أعاجيبُ إخفائك القسريّ عن فوضى الكون الملوث بأزيز الصواريخ المسافرةُ للقتل ، وضجيجُ البشر الغارقين في أصوات نفاق بُكاء المآتم ، وضحكات نفاق المشاعر ، ومن خلف أقنعةٍ سحريةٍ تلك أوجه شبهٍ بين المنافقين من يجمعون النهار بالليل في لحظةٍ واحدة ، ويمزجون البسمة بالعبوس في شفةٍ واحدة ، ويشعرون الحب والكره في قلبٍ واحد لشخصٍ واحد ، لأنهم الماهرون في الخداع والتناقض ، وتشييدُ متاريس النفاق ، يختبئون في الغُموض ، حين تستطيع أن تكون ماهراً في اجتثاثهم للأعلى ، تجدُ أنهم ينظرون الأشياء الفردية ، نظرةٌ تُعددها مُتزاوجةٌ حتى يبدوا الإله في حقيقتهم – أكثر من واحد !..
أيٌُ ليلةٌ هذه التائهةُ في الوقت ، تحتاجٌ في نفحات نسائمها أن تنتظرُ إحدى الفاتنات بشعرية همساتها ، ودقةِ ابتسامتها ، ورقةِ ملمسها ، وزكاء أنفساها ، وإيقاع خطواتها ، وغوايةِ عينيها ، وهدايةِ قُبلتها ، وخفةِ حركاتها ، وعذوبةِ ريقها ، وجاذبيةِ نهديها ، ودفئُ صدرها ، وسطوعُ بهائها ، وفوضى خلعها لملابسها في كل الزوايا حول المخدع ، وامتداد مساحتها الجسدُ كأوسع الأوطان ، وأروعُ مراتع الخطيئة ، وسخُونةُ إحساسها برغباتٍ قادمةٍ من أقصى داخلك ، أبعدُ مسافات ضمأك ، وقوةُ التحامٍ أسطوريّ لجسديّ أروعُ صورةٍ للإنسان الثائر على فضيلةِ الزيف البشريّ ، وأجملُ آداءٍ للفن الأحمر على مسرح شهقةٍ كلما اتسعت أغرقت العالم الخرافيّ في واقعية الوجود ، ليلةٌ لا تُشبه كل ليال الزمن القاهر ، وأنثى كما تستحق أن تبيع مقابل شهقتها نصف العالم ، تستحقُ أن تبيع من أجل رهزتك الأشبهُ بطريقةِ نحت تاريخٍ مختلفٍ في الصخر ، خارج تاريخٍ تُشبههُ كل أكاذيب الإنسان ، تبيع النصف الآخر للعالم !..
أيَُّ ليلةٍ أمارسُ فيها أعظم خطيئةٍ أرغبها في توقيتِ يُثقلُ الزمن ، يُوقفُ بأشد خشونتهِ عقارب ساعةٍ تركضُ هرباً بما تبقى من لحظات العمر المُشرعُ كهدايا أفراح الناس ، كمحطةٍ لاسترخاء المسافرين إلى أحلامهم ، حياتهم ، وإلى موتهم هناك . تحملُ قلباً لم يعد رغم تضخمهِ بالحب – لمن يرغبُ في ممارسةِ أصول وفقه ونحو وبلاغة الحب – ليُشارك في كرنفال القصائد ، واحتفالات الحكايا ، غير أن هذا القلب المقلد بأعظم وسامٍ " للجُرح المقدس " لم يعد كما سفرٍ أخير ، كإستراحةٍ لحظيةٍ يُشبهُ أحد مقاهي مرتادٍ مؤسف ، جعل من الدقائق كرسي جلوس حول طاولة القلب ، و من النبض المُتداعي أحد النادلين ، واحتسى في لحظته ساخنةً – قهوةُ الكفر !..
هل هي ليلةٌ مثلاً كهذه التي أسهرُ فيها إلى أوجاع أمي كأصنام قديمةٍ نفخت فيها روحاً تلك الأقدار ، فتحركت قاسيةً تُعربدُ بشبق ، أتحسسُ جُمجمةً موشكةٌ على الإنفلاقِ كبلقة ، وقلباً تمُزُهُ الأحزانُ ككفين من الصخر الصلد ، وجفناً مُكتحلاً بالسهد ، وجسداً يتهاوى على بعضه كشهب نيازك تنطفئُ بعد أن تُضيئ للقادمين من القتلة مني ، حيث يغسلون خناجرهم كمن أجنب بصيامهِ على كساء الكعبة .
هنا حيثُ أرتبُ كل الآلام لمقطوعة فنٍ الأسفار ، موسيقى الخطيئة ، تعزفُها الرغبة ، حتى ما إن سكر الكون ، غوت الملائكة ، رغبت في أن تُعاقر مثلي زجاجة فودكا روسية ، أن تُمارس الحُب مع أنثى تُشبهُ فاتنتي في حُلم الخطيئة ، الخطيئة التي ما إن تزينتُ بألوانها ، توجهتُ نحو الجحيم مُبتسماً للرب !..
صنعاء – المستشفى الجمهوري – حيثُ صار الشعورُ بالخطيئة تاجاً للرغبة ، وسلة مُهملات الفتاوى
الجرح المقدس - حين يقوم الجُرحُ بارتجالي إحدى أطهر السيئات !..
3/ يونيو / 2010 م
.